Jump to Navigation
Friday, November 24, 2017
مرحبا بكم في مكتبة الإمام المهدي المركزية

احياء أمر الامام المهدي بالأدعية والزيارة الشعبانية وبالمؤسسات العملاقة الضاربة في أعماق الزمن

رسالة الخطأ

Notice: Undefined offset: 1 in counter_get_browser() (line 86 of /home/mahdil5/public_html/sites/all/modules/counter/counter.lib.inc).

 

السيد مرتضى الشيرازي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين،

ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضيين،

واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين،

ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم

 

(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)

 

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)([1])

وقال جل اسمه: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)([2])

الحديث يدول في هذه السلسلة حول إحياء أمر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وأمر أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، على ضوء هاتين الآيتين الكريمتين مع بعض البصائر القرآنية في الآيتين الكريمتين:

 

لماذا التعبير بـ(وَإِقَامَ الصَّلاةِ)؟

نتوقف عند بصيرة هامة جداً، تتعلق بشبه الجملة في الآيتين الكريمتين: (وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ) و(يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ).

هاتان الجملتان (أي شبه الجملتين)، تكررتا في القرآن الكريم مراراً، فينبغي أن نستطلع السر في إضافة كلمة (إِقَامَ) للصلاة و(إِيتَاءَ) للزكاة في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ). وقوله جل اسمه: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) وغيرهما، ولم يقل تعالى: الذين يصلون ولا: الذين يزكون، فما هو الوجه في ذلك؟

هناك وجوه عديدة نذكر بعضها هنا:

 

1- لأن المراد إقامة الصلاة بحدودها الأربعة آلاف

الوجه الأول: يقال بأن إقام الصلاة يُراد منها إقامة الصلاة بحدودها، أما (الصلاة) بمفردها فلا دلالة فيها على ذلك، فإن حدود الصلاة الواجبة والمستحبة هي أربعة آلاف حد، وقد جمعها الشهيد في الفرضية والنفلية والذي يقوم بها حق القيام ليس إلا المعصومون (عليهم السلام)، وكذلك إيتاء الزكاة فإن إيتاء الزكاة حق الإيتاء بما يتضمن من أن تكون نية القربة خالصة لا يشوبها شيء ولا تشوبها شائبة، وبغير ذلك من شروطها لا يتأتى إلا منهم، وهذا الوجه ذكرناه في كتاب (الإمام الحسين وفروع الدين)، وليس كلامنا حول هذا الوجه إنما الكلام عن الوجه الآتي:

 

2- لأن المراد إقامة الصلاة في المجتمع

الوجه الثاني: - وقد أشرنا إليه هنالك أيضاً وسنبسطه ههنا بعض البسط - هو إنه لعل السبب في ذلك أن إقام الصلاة متعدي بالمعنى الذي سيأتي، أما الصلاة فهي لازمة، كذلك إيتاء الزكاة فإنه متعدي أما الزكاة فهي لازمة، وليس المراد المعنى الصرفي للّزوم والتعدي، بل المراد معنى آخر، وهو المتعدي للغير وليس المتعدي لمفعوله كما سيأتي.

ففي قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ). فإن المعنى الذي عادة يتبادر إلى الأذهان هو أنهم (عليهم السلام) هم الذين يقيمون الصلاة، يعني يقيمون صلاتهم، فهنا يطرح السؤال: فما الفرق بين يقيمون صلاتهم ويصلون؟ فيجاب بأن الفرق بأن إقام الصلاة يراد بها إقامة الصلاة بحدودها، ولكنه قد يردّ بأن (يصلي) أيضاً ينصرف إلى الفرد الأكمل، وهو الجامع للأربعة آلاف حدّ فقد تساويا، وقد يجاب الرد بأن (إقامة الصلاة) صريحة في المراد، دون يصلي حتى مع الانصراف ببركة مناسبات الحكم والموضوع، وقد يناقش في ذلك بما ليس ههنا محل تفصيله. والحاصل: إن ذلك هو الجواب الأول.

وأما الوجه الثاني الجديد فهو: إنه قد يكون المراد، كما تدل عليه بعض الشواهد، هو ليس إقامة صلاته هو فقط، بل المراد هو إقامة الصلاة في المجتمع، و(يصلي) لا يدل عليه أبداً، فحتى لو كانت صلاته جامعة للأربعة آلاف حد، لكنها لا ربط لها بإشاعة الصلاة في المجتمع وإقامتها فيه.

وبعبارة أوضح: قد يكون الوجه في العدول عن (يصلون) إلى (يقيمون الصلاة)، هو أن الصلاة و(يصلون) هي لازمة، أي لازمة للشخص، فإن الصلاة هي فعله شخصياً هو، أما (إقام الصلاة) فإنها تصلح لأن تكون متعدية بمعنى إقامة صلاة الآخرين أيضاً، إذ إن الشخص تارة يقيم صلاته، وتارة أخرى يقيم صلاة الغير، وهم (عليهم السلام) كانوا كذلك، إذ قامت بهم صلاة الناس، ولولاهم لاندثرت الصلاة بالمرة، ولما قامت للإسلام قائمة ولا نصب له فسطاط، فهذا هو المدعى ولو احتمالاً. ومن الأدلة على ذلك:

إن الأصل في اللام أنها للجنس، فالمراد أنهم يقيمون جنس الصلاة لا صلاتهم هم فحسب، إضافة إلى أن الألف واللام هي عوض عن المضاف إليه، وهو أعم منهم ومن غيرهم، ولا وجه لتخصيص المضاف إليه بصلاتهم فقط، فإن (يقيمون الصلاة) تحتمل فيها احتمالات ثلاثة:

الأول: إن المراد يقيمون صلاتهم وهو التفسير المعهود.

الثاني: إن المراد يقيمون صلاة الناس.

الثالث: والذي يرجح بحسب القواعد، هو إنهم يقيمون الصلاة الأعم من صلاتهم وصلوات الناس، فما هو الإشكال في ذلك، واللفظ صالح والمحل قابل؟ خاصة وأن ذلك هو المطابق للواقع الذي يؤيده الاعتبار، ولذا نقرأ في الزيارة المعروفة لسيد الشهداء: "أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أَقَمْتَ الصَّلَاة"([3])، فإن لم نقل أن ظاهر (أقمت الصلاة) هو إقامتها في المجتمع، أي إن لم نقل بالظهور في إقامة الصلاة في المجتمع، فعلى الأقل الإطلاق يقتضي ذلك، وأنَّ أقمت الصلاة يعني أقمت صلاتك وأقمت صلاة الناس، وذلك هو الحق والواقع الذي يدل عليه التاريخ والروايات، فإنه لولاهم (عليهم السلام) لاندرست الصلاة والخمس والزكاة والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعبادة والطاعة كلها، بل واندرس ذكر محمد وآل محمد (لشرف ذكرهم الصلاة والسلام).

فهذا احتمال تؤيده الشواهد، ونحتاط فنقول (احتمالاً)، لأننا نفسر القرآن الكريم، لكن الأمر بحسب الصنعة والقواعد الموجودة بأيدينا، هو كما أشرنا والله العالم.

 

الوجه في التعبير بـ(وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ)

وأما إيتاء الزكاة فالأمر كذلك أيضاً مع إضافة أخرى: فإن الإنسان تارة يزكي فهذه فضيلة، ولكن الفضيلة الأكبر هي أن يجمع الشخص بين أن يزكي وبين أن يدفع زكوات الناس أيضاً، فغنه كثيراً ما ينجح الإنسان في دفع ما في ذمته من مال، لكن عندما يؤتمن على أموال الناس وأموال الله تعالى، فإنه قد يخون بها، كما ترون ذلك في العديد من الحكام والمسؤولين، فقد يكون إنسان ما صالحاً، قبل أن يتسلم السلطة، ويخمس ويزكي أمواله، لكنه عندما يصير أمين الصندوق، فإنه يخون في زكوات الناس وأموال الناس التي تجري تحت يده، فأداء حقوق أمواله قد ينجح فيه، ولكنه عندما تصل أموال الناس بيده يخون فيها؛ فإن الأمانة في هذه المرتبة هي أصعب من الأمانة في المرتبة الأولى لأن أموال الناس التي تقع تحت سلطة الأمراء والوزراء والوكلاء هي أكثر جداً من أموال الشخص، والذين يسقطون في الامتحان الثاني كثيراً ما يكونون ناجحين في الامتحان الأول، فتجده في أمواله ممن يخمسها بالفعل، ولكنه بمجرد أن يصبح وزيراً أو رئيساً أو متصدياً لموقع مالي في مؤسسة أو جهاز أو تجمع أو أمينا لبيت المال، تراه يفتقد النزاهة تماماً.

والحاصل: إن آتيت الزكاة ليس المراد بها فقط زكاة مالك، بل – احتمالاً -: والزكوات التي تتجمع بيده فإنه يؤتي زكاتها، والإطلاق يشملهما معاً، بل قد يقال بأن المراد أعم من إيتاء زكاة أموال الناس بتسبيبه لإيتائهم زكوات أموالهم، فقد آتى زكاة أموال الناس، لأنه كان الباعث والمحرض على ذلك. فتأمل

 

إيتاء زكاة العلم والجاه والوقت والعلاقات

بل نضيف احتمالاً آخر يحتاج إلى تأمل أكثر وإلى جمع الشواهد، وإلا فإنه لا إشكال فيه من الناحية المبدئية، لأن الزكاة اللغوية تشمل المعنى الجديد، وهو أن المراد من من (آتيت الزكاة) ليس خصوص الزكاة المصطلحة المقررة على الأشياء التسعة: الأنعام الثلاث والغلات الأربع والنقدين، بل المراد الأعم من زكاة الجاه والعلم وغيرهما، فهذا هو الصعب حقاً، فغن إيتاء زكاة أمواله ليس فضيلة مهمة، لأن الملايين من الناس يؤتون زكاتهم لكن القليل جدا،ً بل النادر هو من يؤتي الزكاة بما للكلمة من شمولية أي: زكاة المال وزكاة العلم وزكاة الوقت وزكاة الجاه، وزكاة المكانة الاجتماعية، وزكاة كل نعمة منحها الله له، فهذا هو النادر جداً، بل إن الزكاة بالمعنى الحقيقي للكلمة بلحاظ هذا النطاق الشمولي، أمر منحصر بهم صلوات الله وسلامه عليهم.

 

الفشل في زكاة العلم!

فلنلاحظ مثلاً ماء الوجه، فإن زكاته ليس بشيء سهل أبداً، فإن الناس كثيراً ما ينجحون في امتحان المال، لكنهم في تزكية ماء الوجه لا ينجحون، وكثيراً ما الناس ينجحون في زكاة المال، لكنهم في زكاة العلم لا ينجحون، فقل له مثلاً اكتب كتاباً لكنه يتكاسل! أو قل له قم بالتدريس أو التربية أو التأسيس لكنه يتعلل بأنه صعب! أو لا وقت لي! وقد يقول لا أستطيع! فهذا ممن لم يؤتِ زكاة علمه! ونقول له: فليكن صعباً مرهقاً لفكرك ومتعباً ليدك، ومما يسلبك بعض راحتك، لكن مع ذلك، عليك أن تؤتي زكاة علمك! فإن "زَكَاةُ الْعِلْمِ نَشْرُه‏"([4]).

وفي مثال آخر: قد تقول لأحدهم أصعد المنبر، فيقول إنني أخجل! وقد يقول هذا صعب! وقد يقول بعضهم: لعلهم يضايقوني، إذ قد يذهب الخطيب إلى منطقة فيُهان فيها، فليكن ذلك، أليس زكاة العلم نشره؟، فليكن الابتلاء بالمضايقات والإيذاء والاستهزاء، بل وحتى أحياناً الضرب أيضاً، فليكن ذلك!

إن الذين آتوا الزكاة حقاً، بكل أنواع الزكاة، من زكاة العلم إلى زكاة ماء الوجه إلى زكاة المال وغير ذلك، هم صلوات الله وسلامه عليهم، ولهذا المبحث مجال مفصل واسع قد نتطرق إليه في وقت آخر، إن شاء الله.

هذا كله إضافة إلى أن (إنما) في قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ) هي أداة حصر تنسجم مع هذا الوجه الذي ذكرناه، لأن هذه الصفات في الآية الشريفة ذكرت وكأنها في مقام التعليل، مما يزيد على كون الوصف مشعراً بالتعليل، فلأنهم تميزوا بصفة لا توجد في غيرهم، لذا كانوا هم الأولياء بعد الله والرسول (صلى الله عليه وآله) (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). وهناك في تفسير البرهان بعض الروايات التي يمكن أن نستفيد منها بعض ما قلناه، ولكن الوقت لا يسع، فلنتركه لبحث قادم.

 

وظائفنا ومسؤولياتنا تجاه الأئمة المعصومين (عليهم السلام)

قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ). وقد مضى الكلام في البحث الماضي عن بعض وظائفنا تجاه أولياء الأمور (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). وهم الأئمة الذين نصبهم الله سبحانه وتعالى علينا أئمة بهذه الآية أو أخبر بهذه الآية عن نصبهم أئمة، وقلنا أن الجامع هو إحياء أمرهم، فالكلام يدور حول المفردات والمصاديق، والكلام بمناسبة مولد الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في الأيام القادمة، لذا وجب أن نركز على إحياء أمره (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

 

أ- إحياء الأدعية والقنوتات والأحراز الواردة عنه (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

الطريق الأول: إحياء الأدعية والتسبيحات والقنوتات والأحراز الواردة عن الإمام صلوات الله وسلامه عليه، ومنها ما سبق: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ فَأَغِثْنِي، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّه‏"([5]). فإن من إحياء أمره إحياء أحرازه.

 

إحياء الاستخارة الواردة عنه (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

كما أن من إحياء أمره إحياء استخارته، فإن الإمام (عليه السلام) على حسب الرواية التي ينقلها السيد ابن طاووس له استخارة خاصة، فلنلتزم بها ونعرّف كافة المسلمين عليها، فإنها بأكملها معارف وهي مدرسة تربوية كبقية الأدعية والعوذات والأحراز والتسبيحات والقنوتات وغيرها، فإنها مدارس تربوية تعليمية نهضوية.

 

طريقة الاستخارة المهدوية (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

والاستخارة هي كالآتي: إذا عرض للإنسان أمر مهم تحير فيه (إذ للاستخارة شرائط منها: إن على الإنسان أن يستوفي الجهات الظاهرية في الفحص والبحث والاستشارة، فإذا تحير بعد ذلك يلجأ إلى الاستخارة في أي أمر هام تحير فيه، من زواج أو تجارة، يريد أن يخوض غمارها، لكنه متردد لوجود جهات متزاحمة شتى ولغير ذلك)، فليقرأ سورة الحمد عشر مرات، فإن صعب عليه أو كان في عجلة من أمره، فليقرأها ثلاث مرات، وإلا فمرة واحدة، ولكن المطلوب أولاً وبالذات هو أن يقرأ سورة الحمد عشر مرات، ثم يقرأ سورة القدر عشر مرات، ثم يقرأ الدعاء الآتي ثلاث مرات، - وكم هو جميل ورائع هذا الدعاء، وما أشد حرمان من لم يحفظه ولم يلتزم به! - والدعاء هو هذا:

"بسم الله الرحمن الرحيم اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الْأُمُورِ وَأَسْتَشِيرُكَ لِحُسْنِ ظَنِّي بِكَ فِي الْمَأْمُولِ وَالْمَحْذُورِ"([6]).

ولنشر – قبل أن نكمل الدعاء – إلى إحدى مضامينه الرفيعة: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ" فلماذا استخيرك؟ لما أطلب الخير منك؟ "لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الْأُمُورِ"، فمطلع الاستخارة يتضمن تكريس مبدأ العلم الإلهي اللامتناهي، وأن الله عالم بالمآلات، ونحن لا نعرف المآلات، إذ نعرف الحاضر والظواهر – بل بعضها فقط - أما النتائج المستقبلية بعيدة المدى، فلا نعرف عنها شيئاً.

 

الجواب عن شبهة الخطأ في الخيرة!

ومن ذلك نستكشف الإجابة عن شبهة تحير فيها بعض، وهي إنه أحياناً يستخير الشخص فتكون جيدة، لكنه في مرحلة العمل يرى نتائج سيئة، فيعترض بأن الخيرة كانت جيدة، وها أنا ذا أرى الأمر بالعكس، كما لو استخار لكي يتجر بهذه التجارة حتى يربح، فكانت الخيرة جيدة جداً لكنه خسر فيستغرب أو يستنكر، لكنه حيث لا يعلم مآلات الأمور لا يعلم بأن صلاحه كان في أن ينكسر، إذ أنه لولا هذا الانكسار لكان – مثلاً - قد ضاع دينه، إذ كان يربح مالاً يطغيه، كما تفصح عنه قصة ذاك الذي بمجرد أن حصل على المال اشترى خمراً وشربها، فقتل نفساً فقُتل، فلقد كان الفقر لصالحه (ذلك الشخص العاري الذي دفن نفسه لمنتصفه في حفرة كي يستر عورته، فرأى موسى (عليه السلام) عابراً، فأصر عليه ليدعو له فدعا له فحصل على مال فذهب واشترى به خمراً شربها، فسكر وقتل واحداً فأعدم!!).

"لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الْأُمُورِ" والمطلب كل المطلب هنا والتربية كل التربية ههنا، فأنت إن استخرت وكانت غير جيدة، فليس الأمر لصالحك، حتى إن تصورته نافعاً لك، فمثلاً لو استخار أن يتزوج من هذه الفتاة بعد التحقيق ثم التردد، فكانت غير جيدة فتزوجها، فرآها امرأة ممتازة، فهنا قد يخطر بباله أنه كيف كانت الخيرة سيئة، ولكنه غافل عن مآلات الأمور، إذ من الممكن ان يكون الأطفال معلولين معوقين أو أشراراً غير صالحين أو غير ذلك، فأنت لا تعلم مآلات الأمور فلم الاعتراض؟ ولذا نقرأ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الْأُمُور"، لأنك جل اسمك تعرف عاقبة الأمور، لذلك فأنت الذي تدلنا على الخير الحقيقي في الناتج الكلي.

 

حسن الظن بالله في المأمول والمحذور

"وَأَسْتَشِيرُكَ لِحُسْنِ ظَنِّي بِكَ فِي الْمَأْمُولِ وَالْمَحْذُورِ". وهذا المقطع يتضمن أيضاً بُعداً تربوياً كبيراً "لِحُسْنِ ظَنِّي بِكَ فِي الْمَأْمُولِ وَالْمَحْذُورِ"، ففي الذي نأمله وفي الذي نحذر منه، علينا أن نحسن الظن بالله تعالى، فإذا جاءنا المأمول فعلينا أن نكون حسني الظن بالله تعالى، وإذا توجه إلينا المحذور، فعلينا أيضاً أن نحسن الظن بالله، ولا نكون ممن (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)([7])، فإن كثيراً من الناس هم هكذا: إذا الله أعطاهم الخير رضوا واطمأنوا، وإلا سخطوا وانقلبوا على الأعقاب، وجاء في الآية الشريفة الأخرى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)([8]) "وَأَسْتَشِيرُكَ لِحُسْنِ ظَنِّي بِكَ فِي الْمَأْمُولِ وَالْمَحْذُورِ" فإذا قدّرت لي المأمول فانه حتماً يكون لصالحي وإذا قدّرت لي المحذور فلا ريب انه لصالحي وإن كنت أجهل وجهه!

"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الْأُمُورِ وَأَسْتَشِيرُكَ لِحُسْنِ ظَنِّي بِكَ فِي الْمَأْمُولِ وَالْمَحْذُورِ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ الْفُلَانِيُّ (وتنوي الأمر المعين) مِمَّا قَدْ نِيطَتْ بِالْبَرَكَةِ أَعْجَازُهُ وَبَوَادِيه‏" والعبارة دقيقة وجميلة: أعجازه يعني أواخره، وبواديه يعني أوائله ومبتدؤه، وقد نيطت بالبركة أي علقت بالبركة "وَحُفَّتْ بِالْكَرَامَةِ أَيَّامُهُ وَ لَيَالِيهِ فَخِرْ لِيَ اللَّهُمَّ فِيهِ خِيَرَةً" ما أروع هذه الكلمات! "فَخِرْ لِيَ اللَّهُمَّ" أي يا رب كن أنت الذي تختار لي الأصلح إذ: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)([9]).

 

فلسفة الاستخارة

وهنا أقول: إن بعضاً ممن لا عميق إيمان له، قد يقول لماذا نستخير؟ أليس أن الدنيا دنيا الأسباب والمسببات؟ فلماذا نستخير؟ بل إذهب وحقق ودقق، ثم إمش على طبق نتائج تحقيقاتك، وإذا تحيرت فرضاً فالاحتياط سبيل النجاة، فعليك أن تتوقف! ولا تسلك هذا الطريق! فلا مجال للاستخارة أبداً!

ولكن الجواب واضح: إذ نقول: كلّا، لأن عالم الغيب مهيمن على عالم الشهود، فعلى الإنسان أن يسلك سبل الأسباب الطبيعية، كما ورد (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً)([10])، ولكن مع ذلك، عليه أن يعرف أن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى، أليس الله تعالى يقول: (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)([11])، فهل يستطيع مسلم أن يقول أن علينا أن نذهب ونعمل، ولا علينا بالدعاء، ولا معنى لطلب الرزق من الله؟، كلا إذ (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)([12])، وكما ورد "أبى الله أبى الله أن يجري الأمور إلّا بأسبابها"([13])، وورد: "اعْقِلْ وَتَوَكَّل‏"([14])، فاعمل بالأسباب ثم كلِ الأمر له.

 

المشورة الصائبة من رزق الله تعالى

والحاصل: إن الله تعالى هو الرزاق، ومن رزقه المشورة الخالصة، فإن الرأي الصائب رزق من أرزاق الله، كما أن العلم رزق من أرزاق الله، والمال رزق من الله، كذلك المشورة رزق أيضاً، أي التسديد في المشورة، وكما يوجد في مختلف الدول مستشارون يراجعهم الإنسان، ويدفع مبلغاً قد يكون ضخماً لمشورة في قضية قانونية أو غيرها، فإنه يوجد فوقهم جميعاً أفضل مستشار، وهو الله سبحانه وتعالى، وتسديده ومشورته رزق إلهي سماوي، وذلك طبعاً وكما سبق بعد طي الطرق الطبيعية.

وصفوة القول: إن الاستخارة هي نوع من استمطار الرحمة الإلهية، نوع من طلب الخير من الله، فهو حاجة من الحاجات: أن يسددني الله تعالى فكرياً كما رزقني مالياً، فلماذا يستصعب بعض هضم ذلك!

"فَخِرْ لِيَ اللَّهُمَّ فِيهِ خِيَرَةً تَرُدُّ شَمُوسَهُ ذَلُولًا"، والشموس يقع في مقابلِ الذلول والشموس، يعني الصعب وهذه المفردة تكرر، بل كثر استعمالها في لغة العرب، بل تعد من الكلمات الفصيحة، ولكنها معربة كما أستظهِر من الكلمة الفارسية (چموش) يقال (اسب چموش)، والچموش يعني الجامح كالحصان الجامح، فالذي استظهره هو أن الشموس هو معرب كلمة چموش، فإن بعض أنواع الدواب جامح، وبعضها مطواع ذلول، وفي الآية الشريفة (لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ)([15])، فبعض أنواع البقر والثيران أو الأحصنة والجياد صعبة المراس فيسمى جامحة، وقد استعار الإمام (عليه السلام) هذه الكلمة لهذا المقام.

"فَخِرْ لِيَ اللَّهُمَّ فِيهِ خِيَرَةً تَرُدُّ شَمُوسَهُ ذَلُولًا وَتَقْعَضُ أَيَّامَهُ سُرُوراً"، وتقعض يعني تعطف، أي تعطف أيامه وتحولها إلى أيام سرور، ببركة هذه الخيرة أي ببركة طلب الخير، عبر هذا الدعاء من الله تعالى، وفي بعض النسخ "تقعص" بالصاد، وقد رأى بعض أنها محرفة ومصحفة، ولكنها معنى ممكن إرادته، وإن كان الظاهر بالضاد، فإن "القعص" هو الموت السريع، إذ الإنسان قد يدهمه الموت بالتدريج، كأن يصاب بجلطة يبتلى بها لأشهر أو أكثر، حتى تسلمه إلى ملك الموت بعد صعوبات وصعوبات، وقاكم وإيانا من جميع الآفات والشرور.

لكن أحياناً أخرى، "يقعص" الموت الإنسانَ، أي يدهمه فجأة والذي يسموه بموت الفجأة، فيحتمل أن تكون الكلمة (وتقعص أيامه سروراً)، ويعني (تموت الأيام بالسرور)، وهي عبارة عرفية إذ تقول: موّتت الأيام سروراً، وأحياناً نقول (قتلته ضحك) وهو من هذا القبيل.

"اللَّهُمَّ إِمَّا أَمْرٌ فَآتَمِرُ وَ إِمَّا نَهْيٌ فَأَنْتَهِي‏" ثم يأخذ السبحة بالطريقة المعهودة فيعدّ خرزتين خزرتين، فإن بقيت واحدة فذلك أمر، وإن بقيت اثنتان فنهي، وله بالنية أن يعكس "اللَّهُمَّ إِمَّا أَمْرٌ فَآتَمِرُ، وإِمَّا نَهْيٌ فَأَنْتَهِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِرَحْمَتِكَ خِيَرَةً فِي عَافِيَة".

فهذه استخارة الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهي مليئة بالمعارف كما تكرس ارتباط العباد بالخالق جل اسمه أكثر فأكثر، فمن إحياء أمره (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إحياء هذه الاستخارة، خاصة إذا استحضرنا إنه ربما يومياً يقوم الملايين من الناس بالاستخارة، لعل القليل منهم ممن يلتزم بهذه الطريقة من الاستخارة الواردة عن الإمام (عليه السلام) أفليس من إحياء أمره الالتزام بها؟

وصفوة القول: إن من إحياء أمره صلوات الله وسلامه عليه إحياء الأحراز الواردة عنه والدعوات الصادرة منه، وإحياء القنوتات والتسبيحات الواردة عنه، كما سيأتي إلى غير ذلك من الأنماط التي يتميز كل منها بشكل ولون وحد وفصل في كيفية التضرع والتذلل والابتهال وطلب الحاجة من الله سبحانه وتعالى أو كيفية حمده وتسبيحه وتهليله.

 

ب- إحياء الزيارة الشعبانية وزيارة عرفة وعاشوراء

الطريق الثاني والمصداق الآخر، لإحياء أمره صلوات الله وسلامه عليه، هو إحياء الزيارة الشعبانية: زيارة سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه في النصف من شعبان، فإن هذه الزيارة هي من الزيارات المخصوصة، وهي من الزيارات الثلاثة المتميزة إلى أبعد الحدود، فبحسب المستفاد من العديد من الروايات، فإن أكثر الزيارات تميزاً هي: زيارة الخامس عشر من شعبان، وزيارة عرفة، وزيارة عاشوراء، فلنحيي هذه الزيارات بشكل أفضل وأقوى وأكمل.

وقد خمّن بعض العلماء عدد الذين جاؤوا للزيارة الشعبانية، في العام الماضي، بخمسة إلى سبعة ملايين، هكذا خمنوا، فلنسع لكي يبلغ عدد الزوار عشرين مليون زائر.. فلتكن الزيارة الشعبانية كالزيارة الأربعينية، وكما يتغير وجه البلاد كاملاً في زيارة الأربعين، فلتكن الزيارة الشعبانية كذلك، وفي البدايات كانت الزيارة الشعبانية أضعف، فلقد كان عدد الزوار ربما لا يتجاوز المليون، قبل اثنتي عشرة سنة، ولكن وبجهود العلماء والخطباء والحسينيين والحسينيات والمراكز المختلفة والمتدينين، ارتفع المليون وتصاعد إلى مليونين وأربعة وخمسة وربما بلغ سبع ملايين.

فليكن لنا قدم صدق عند الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وعند الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في الوقت نفسه، وذلك بأن نسعى من الآن لذلك سعياً حثيثاً، فليكن لساننا لسان خير، وليكن فكرنا وحديثنا مع الناس، وفي مواقع الإنترنيت والواتس آب وغيره هو: أن انهضوا بالزيارة الشعبانية، وبزيارة عرفة وعاشوراء لكي يبلغ العدد إلى 20 مليون زائر.

 

إحياء زيارة ليالي الجمعة

بل حتى ليالي الجمعة ليكن الأمر كذلك! فلماذا لا يتجاوز عدد الزوار في ليالي الجمعة المليون أو المليونين؟ فليبلغ عددهم عشرين مليوناً أسبوعياً، أليس عدد الشيعة مئات الملايين في العالم؟ وأليس المسلمون هم بمئات الملايين وأكثر؟ فلم لا يزور 20 مليون منهم كل ليلة جمعة سبط رسول الله وسيد الشهداء؟

إن علينا أن نسعى ونشجع، فإذا تحقق ذلك كله فالحمد لله والشكر له، وإذا لم يتحقق إلا بعضه حصلنا على الثواب والأجر، حتى على ما لم يتحقق، إذ إن "نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ"([16])، ولنبعث بثواب ذلك كله إلى ولي الأمر وإمام العصر الحجة بن الحسن العسكري صلوات الله عليهما وعجل الله تعالى فرجه الشريف.

 

ج- تأسيس مؤسسات مهدوية عظيمة وعملاقة

الطريق الثالث والسبيل والمصداق الثالث من مصاديق إحياء أمرهم وأمره صلوات الله وسلامه عليه هو: تأسيس مؤسسات عملاقة عظيمة مهدوية على امتداد العالم.

إن المؤسسات الذي أسسناها – كشيعة - في القضية المهدوية لا بأس بها، وكل من قام بتأسيسٍ فجزاءه الله خير الجزاء، وزاده الله توفيقاً على توفيق، ولكن هذه المؤسسات بمقاييس اليوم، في حدود علمي على الأقل، ليست مؤسسات عملاقة، بل إن مؤسساتنا عموماً: حسينياتنا ومراكزنا ومساجدنا ومؤسساتنا المهدوية وغيرها ليست عملاقة، وحيث إن الأشياء تعرف بأشباهها كما تعرف بأضدادها، فلنستحضر معاً المثال الآتي:

 

أحدهم أسس مؤسسة بـ13 ألف فرع!

أحدهم قبل حوالي تسعين سنة، أي في عام 1924م بالضبط أسس مؤسسة صغيرة كنواة، ثم جعلها مؤسسة رسمية عام 1932م في كاليفورنيا ثم أوجدت ووّلدت هذه المؤسسة فرعاً ثم فرعاً ثانياً، ثم فرعاً ثالثاً ورابعاً وخامساً وعاشراً وهكذا.. ثم إن الرجل مات والمؤسسة مستمرة في تأسيس فروع جديدة([17]). (والآن لنسأل أنفسنا: كم واحد منّا يفكر بهذه الطريقة: بأن يؤسس مؤسسة تولّد فرعاً أول وآخر وثالثاً وهكذا؟)

وقد بلغ عدد فروع هذه المؤسسة الآن، والرجل ميت قبل سنين طويلة، في العالم إلى أكثر من 13 ألف فرع! منتشرة في أكثر من مائة دولة من دول العالم بما في ذلك العراق والخليج وأفريقيا ومختلف دول العالم في القارات الخمس من آسيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكتين وغيرها، وقد بلغ عدد الأعضاء الرسميين في هذه المؤسسة 260 ألف عضو على الأقل، وقيل أكثر من ذلك! تصوروا شخص واحد يؤسس لذلك كله!، ما هذا القدرة التي يمتلكها؟ ولاحظوا إننا كثيراً ما نؤسس مؤسسة تموت بموتنا، إن لم تضعف في حال حياتنا!.

لقد مات الرجل ولكن لا تزال مؤسسته متميزة متنامية متطورة فما هو السر؟

الجواب: إنه لم يكن متميزاً سوى في أنه استخدم الآليات الإدارية الحديثة، فهي التي تتكفل بإبقاء مؤسسة أسست في عام 1932 حتى الآن قائمة حيوية فاعلة ممتدة في أرجاء العالم.

وهذه المؤسسة مهمتها: تنمية المهارات القيادية، وتنمية مهارات التواصل، وتنمية مهارات الخطابة، وهم يقيمون كل سنة مؤتمرات ويجمعون الأندية المختلفة في ذلك البلد، في مؤتمر سنوي، وتجري فيها مسابقات، ثم تمنح جوائز على درجاتها المختلفة للفائزين.

إن علينا أن ننطلق في عالم اليوم بمثل هذه القوة والكيفية والكفاءة، ذلك أن الطرف الآخر إذا كان يمتلك جيشاً بعشرة آلاف، وكان عدد جنودك عشرة جنود مثلاً فقط، فإنك لا تستطيع أن تواجهه وتصمد أمامه، كذلك إذا كان الطرف الآخر يؤسس مؤسسات عملاقة، فكيف تواجهه بمؤسسات عادية أو بدائية؟.

 

سر النجاح: القيادة فوق الإدارة

والغريب إن هذه المؤسسة العملاقة أسست بإمكاناتها العادية، وهي مؤسسة غير حكومية، ومع ذلك انطلقت عالمياً وتوسعت بشكل مذهل، والأغرب هو أن عدد موظفي هذه المنظمة المتفرغين الذين يدفع لهم رواتب، هو ستون موظفاً فقط! إن إدارة مؤسسة لها 13 ألف فرع حول العالم ليس بالأمر السهل، وإذا كانت إدارة حسينية واحدة أو مسجد واحد ناجح أمراً صعباً، فما بالك بمؤسسة تمتلك 13 ألف فرع، تعد عالمياً من المؤسسات المتميزة؟ ولقد تخرج من هذه المؤسسة أربعة ملايين إنسان!

إن السر في ذلك يتلخص في كلمة مفتاحية، وهي إنهم ليسوا بالمدراء بل هم قادة؛ فإن المدير طاقته محدودة، أما القائد فطاقته بالنسبة إلى المدير لا متناهية.

ختاماً: إذا لم ننطلق في إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام)، وإحياء أمر الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بهذا النحو، بأن نؤسس مؤسسات مهدوية عملاقة ضاربة بجذورها في عمق الزمن، ممتدة على امتداد البسيطة، وإذا لم نفعل مثل ذلك وأكثر، فقد خسرنا أنفسنا وضيعنا حظنا، لا سمح الله.

وعلينا أن نتوكل على الله تعالى ونتوسل بأمير المؤمنين (عليه السلام) وسائر المعصومين (عليهم السلام) لكي يأخذوا بأيدينا، لكي نوفق لإحياء أمرهم حقاً في مختلف الأبعاد:

في بُعد الأدعية والأحراز والقنوتات والتسبيحات والاستخارات ..

وفي بُعد الزيارات (الشعبانية وعرفة وعاشوراء وليالي الجمعة وغيرها) ...

وفي بُعد المؤسسات المهدوية العملاقة الناهضة بمختلف ما يرتبط بالإمام (عليه السلام).

 

د- إحياء الخامس عشر من شعبان في أرجاء العالم

الطريق الرابع: أن نسعى لتتحول أيام 15 شعبان إلى أيام عيد وفرح وسرور، في مختلف أرجاء العالم، حتى يشهد ذلك كل من يمشي في اليمن والسودان أو الهند والباكستان أو الصين أو أفغانستان أو أوروبا وأمريكا وأستراليا أو اليابان، وحتى من يتسلق قمة جبال هيمالايا أو يتجول في غابات الأمازون! بحيث يرى الجميع مظاهر الفرح والسرور قد عمت البلاد والغابات والجبال والوديان والسهول.

وإن من المؤسف حقاً أننا في كثير من دول العالم، بل وحتى في العراق وإيران لا نرى تحولاً كبيراً في غير أيام زيارة الأربعين.

إن المؤسسات المهدوية المباركة مهمتها الكبرى هي إحياء أمر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بالمظاهر والشعائر، وفي شتى المشاعر، وبالمحتوى والمضمون وبالمخبَر أيضاً، وذلك عبر إحياء تعاليمه ومنهجه ومبادئه السماوية وقيمه الربانية، وسنتكلم عن ذلك في البحوث القادمة إن شاء الله.

يقول الله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

ويقول جل اسمه: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الآخذين بحجزتهم والسائرين على دربهم والمستشهدين بين يدي ولي الله الأعظم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إنه سميع الدعاء.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

 

* من سلسلة محاضرات في التفسير والتدبر لسماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي حفظه الله تعالى، ألقيت في مدينة النجف الأشرف بتاريخ الثالث من شعبان المعظم/ 1437هـ.

 

www.m-alshirazi.com

تحرير www.alshirazi.com

========================

([1]) المائدة: 55.

([2]) الأنبياء: 73.

([3]) الكافي (ط – الإسلامية) ج4 ص574، باب زيارة قبر أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

([4]) عيون الحكم والمواعظ: ص276.

([5]) المصباح للكفعمي: ص302.

([6]) وسائل الشيعة: ج8 ص82.

([7]) الحج: 11.

([8]) التوبة: 58.

([9]) غافر: 44.

([10]) الكهف: 89 و92.

([11]) الذاريات: 58.

([12]) الأنفال: 17.

([13]) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ج17 ص272.

([14]) عوالي اللئالي العزيزية: ج1 ص75.

([15]) البقرة: 71.

([16]) الكافي (ط – الإسلامية) ج2 ص84.

([17]) ومؤسسته هي: توست ماسترز.

14/ شعبان المعظم/1437

إضافة تعليق جديد



Article | by Dr. Radut