Jump to Navigation
Friday, November 24, 2017
مرحبا بكم في مكتبة الإمام المهدي المركزية

المهدي المنتظر في فكر أهل السنة

رسالة الخطأ

Notice: Undefined offset: 1 in counter_get_browser() (line 86 of /home/mahdil5/public_html/sites/all/modules/counter/counter.lib.inc).

بقلم : مجتبى الساده
مقتبس من كتاب : رؤى مهدوية

 

إن عقيدة المنقذ المهدي الموعود وظهوره في آخر الزمان ، تعتبر مورد قبول جميع الفرق الإسلامية ، فقد أخبر عنها الرسول الاكرم (ص) ، وتحدث عنها أهل البيت (ع) والصحابة والتابعين ، وكتب عنها العلماء جيلا بعد جيل إلى زماننا هذا ، ومن هذا المنطلق كانت مسألة الإمام المنتظر حتمية ويقينية ، وفي التاريخ الإسلامي انتشرت فكرة المهدي لدى أغلب الفرق الإسلامية باعتبار أن مصدر ومنبع الفكرة والعقيدة هو الشرع الإسلامي بركنيه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

 

مذاهب أهل السنة:

إن الخلاف والشقاق ظهر في الأمة الإسلامية بعد وفاة رسول الله (ص) ، وكانت فكرة الإمامة بذرة الخلاف الأولى في واقع المسلمين ، ومزق الأمة فرقاً أو فرقتين: فرقة تشايع الخلفاء ، وفرقة تشايع (عليَاً) وأهل البيت (ع) الى اليوم الحاضر.

لقد اختلف أهل العامة (شيعة الخلفاء) إلى مذاهب كثيرة في الفروع والأصول ، كمذهب سفيان بن عيينة بمكة ، ومذهب مالك بن أنس بالمدينة ، ومذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري بالكوفة ، ومذهب الأوزاعي بالشام ، ومذهب الشافعي بالعراق ، والليث بن سعد بمصر ، ومذهب إسحاق بن راهويه بنيسابور ، ومذهب أحمد بن حنبل وأبي ثور ببغداد .... وغيرها.  إلا أن اكثر تلك المذاهب انقرضت بين الناس ، وظلت آراء أصحابها مدونة في بطون الكتب عند أهل السنة[1] ، وبقيت من تلك المذاهب الأربعة المعروفة فقط ، أما كيف نشأت هذه المذاهب وانتشرت دون غيرها ، فيمكن الرجوع إلى المصادر المختصة  وهي عديدة وتطرقت لها بالتفصيل[2] .. وهم بحسب ظهورهم بالترتيب كالاتي:

 

  1. المذهب الحنفي: ينسب هذا المذهب لأبي حنيفة النعمان بن ثابت (80 هـ - 150 هـ) وهو من التابعين ، تأسس المذهب في العراق ، وينتشر حاليا في دول إسلامية مختلفة منها شمال مصر ووسط أسيا وتركيا والعراق وأفغانستان وباكستان وشمال الهند وسوريا.

     

  2. المذهب المالكي: ينسب هذا المذهب لـ مالك بن أنس (93 هـ - 179 هـ) ، تأسس المذهب في الحجاز (المدينة المنورة) في أوائل القرن الثاني الهجري وتطورت معالمة على يد تلاميذه من بعده ، انتشر في بغداد بسبب دعم السلطة العباسية له ، وقد ظهر في البصرة بعد خمسة قرون من تاريخ انتشاره في الحجاز ، حالياً يتواجد في الحجاز وبلاد المغرب العربي ودول الخليج والسودان ووسط وغرب أفريقيا.

     

  3. المذهب الشافعي: ينسب هذا المذهب لـ محمد بن إدريس الشافعي (150 هـ - 204 هـ) ، تأسس المذهب في العراق ، وينتشر حاليا بشكل كبير في بلاد الشام وفي فلسطين حيث مسقط رأس الشافعي في غزة خاصة ، وفي مصر وأندنوسيا وماليزيا وشرق أفريقيا وجنوب الهند وبقاع مختلفة من البلاد الإسلامية.

 

 

  1. المذهب الحنبلي: ينسب هذا المذهب لـ أحمد بن محمد بن حنبل (164 هـ - 241 هـ) ، تأسس المذهب في العراق ، اهتم ابن حنبل بجمع السنة وحفظها حتى صار من كبار المحدثين في عصره ، ولذلك يعده البعض (مثل الطبري) محدثاً فقط لا فقيها ، ينتشر مذهبه حاليا في نجد والخليج ومصر وبلاد الشام.

 

هذه المذاهب هي التي عليها أهل العامة في كافة الأمصار منذ أن حصر التقليد فيها إلى عصرنا الحاضر ، وهؤلاء العلماء الأربعة الذي يجمع على إمامتهم جميع أهل السنة بكافة توجهاتهم ، وهم متفقون على كل الأصول الفقهية واختلفوا في بعض الفروع ، والمسائل الفرعية التي اختلفوا فيها هي التي كوَنت نشأة المذاهب الفقهية الأربعة .. ومن المسائل المتفق عليها بين كافة المذاهب وفرق أهل العامة (الأطروحة المهدوية) ، مما دفعنا للتطرق لهم جميعا كأصحاب فكرة ونظرية وأطروحة واحدة في العقيدة المهدوية.

 

المهدي المنتظر في معتقد أهل السنة:

 

كل الفرق الإسلامية (من أهل العامة) تتفق على أصل الاعتقاد بصحة العقيدة المهدوية ويحكمون بجهالة من أنكرها ، ويتفقون أن المهدي من أهل البيت (ع) ، وأن دولته حتمية الظهور وأنها عالمية النفوذ ، وأنها من الوعد الإلهي الثابت بالنص القرآني ، ويتفقون على حتمية وقوع بعض العلامات والمقدمات من الحوادث المختلفة المبشرة بقرب ظهوره.

إن المهدي عند أهل السنة لا يشكل الشئ الكثير او المهم ، فهو في نظرهم أحد علامات الساعة الكبرى يتبع خروجه نزول عيسى (ع) وخروج الدجال ، فلم يرد في أي نص من النصوص – حسب اعتقادهم – أنهم متعبدون بانتظاره ، بل يعيشون حياتهم ويمارسون عباداتهم وأعمالهم بشكل عادي ولاشئ من ذلك مرهون بوجوده ، فإذا وجد هذا الإنسان الصالح وظهرت أدلته القطعية اتبعوه.

ويؤمن أهل السنة بأن المهدي هو رجل صالح من آل البيت (ع) ، يولد آخر الزمان بعمر إنسان عادي ، يعيش بين الناس حياة طبيعية ، يدرس في مدارسهم وجامعاتهم ، ولا يعرف نفسه أنه المهدي ، ولا تكون له أي مزايا أخرى مختلفة عن بقية الناس ، فلا يعتقدون بعصمته أو ارتباطه بالسماء ، بل يعتبرونه إنساناً عادياً متلبساً ببعض الذنوب والمعاصي مثل أي إنسان آخر ، فاذا اختاره الله تعالى للخلافة تاب عليه وأنقذه من الضلال والمعاصي فيهديه الله (يصلح أمره) في ليلة ، ويستدلون على ذلك بالرواية : " المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة واحدة " [3] .. ويرى أهل العامة أن المهدي تكون ولادته ومدة حياته طبيعية ، ويعتقدون أنه يولد قبل توليه الحكم أو الخلافة ببضعة عقود [4] ، ولم يوجد في الأحاديث – بحسب اجتهاد علمائهم – ما يدل على أنه يمتاز عن غيره من الناس بشئ من طول العمر او الغيبة الطويلة او الاختفاء عن الناس مثلا.  

 

هوية وصفات وسيرة المهدي عند أهل السنة:

 

هويته: يؤمنون أنه من أهل النبي (ص) ، من كنانة من قريش من بني هاشم من ولد فاطمة وعلي (ع) ، اسمه اسم النبي (ص) محمد أو احمد ، واسم أبيه عبدالله [5] ، وهناك من أهل السنة من رجح أن يكون من سلالة السبط الحسن بن علي (ع) ، وكنيته أبو عبدالله ، وأنه أحد الخلفاء القرشيين الإثنا عشر الذي ذكرهم رسول الله (ص) في حديث رواه البخاري [6]

صفاته: من الصفات التي وردت عنه في بعض الروايات المختلفة من كتب سلف أهل العامة : المهدي يشبه النبي في الخلق و الخُلق ، وأن وجهه كوكب دري ، أجلى الجبهة أقنى الأنف ، أفرق الثنايا ، ومن صفاته انفراج فخذيه وتباعد ما بينهما ، لونه لون عربي ، عليه عباءتان قطوانيتان ، يخرج وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي هذا: المهدي خليفة الله فاتبعوه.

سيرته: يبايع بمكة ثم يذهب إلى الشام وخراسان وغيرهما ، ثم يكون مقره ببيت المقدس ، يبايع بين الركن والمقام وهو كاره ، يأتي في الرايات السود القادمة من قبل المشرق كأن قلوبهم زبر الحديد ، ويظهر عند انقطاع من الزمن وظهور من الفتن ، يكون عطاؤه هنيئا ، يستخرج الكنوز ، وتخرج الأرض نباتها وتمطر السماء قطرها ، يسقيه الله الغيث ، وتكثر الماشية ، يرضى في خلافته أهل الأرض وأهل السماء ، والطير في الجو ، يبعثه الله غياثا للناس ، تنعم الأمة في زمانه نعيماَ لم ينعموا مثله قط ، يعطي المال صحاحا ويحثه حثيا لا يعده عدا ويقسمه بالسوية ، يكون أول ظهور له في البيت الحرام ، يقوم بالدين آخر الزمان كما قام النبي (ص) ، تجري الملاحم على يديه ، ويظهر الاسلام ، يملأ الأرض عدلاً ، يحكم خمس أو سبع أو تسع سنوات ، ويملك الدنيا كما ملكها ذو القرنين وسليمان ، وهو أمير الطائفة التي لا تزال تقاتل على الحق حتى ينزل المسيح عيسى بن مريم فيصلى خلفه صلاة الصبح ، ثم يقتل الدجال. 

 

الأحاديث والآثار عند أهل السنة في المهدي:

 

قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (ص) بمجئ المهدي آخر الزمان ، وأنه من أهل بيته ، وأنه يملأ الأرض عدلاً و و و و .. فالأحاديث والآثار الواردة في المهدي عند أهل السنة كثيرة جداً ، فقد خرج أحاديث المهدي جماعة من أئمة الحديث من أهل السنة منهم: أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والبزار والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصولي ، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة .. بل استدرك الحاكم في عدد من الأحاديث على الشيخين (البخاري و مسلم) عن المهدي ، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي على ذلك في تلخيصه [7] ، ويرى كثير من العلماء على أن أحاديث المهدي بلغت حد التواتر المعنوي [8] ، وقد صرح بذلك د. عبدالعليم عبدالعظيم البستوي في رسالة الماجستير بعنوان: (الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح و التعديل) [9] وقال: " بعد النظر في الأحاديث الواردة في المهدي ودراستها سنداً ومتنا ، وصلت إلى ما يلي: إن خلافة المهدي في آخر الزمان حق ولا يمكن إنكارها لثبوت هذه الأحاديث الصحيحة او الحسنة ، ولورود أحاديث أخرى كثيرة وهي ضعيفة في تفاصيلها ولكنها تشارك الصحيحة في أصل الفكرة وهي (وجود خلافة المهدي) وهكذا يصبح هذا الأمر متواتراً تواتراً معنوياً " [10] .. ونستعرض بعض الأحاديث الصحيحة في المهدي عند أهل السنة وننتخب شذرة منها ، ولم نشأ إثقال البحث بدرج عدد كبير منها ومصادرها ، بل اكتفينا بالإشارة إلى بعضها :-

  • عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله (ص) : " لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي " [11] .. . نتيجة دراسة الماجستير ، البستوي : اسناده صحيح ، وقال الألباني: صحيح.
  • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص) : " المهدي مني ، أجلى الجبهة ، أقنى الأنف ، يملأ الأرض قسطا وعدلا ، كما ملئت ظلماً وجوراً ، ويملك سبع سنين " [12] .. نتيجة دراسة الماجستير ، البستوي : الحديث حسن لشواهده ، وقال الألباني: إسناده حسن.
  • عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله (ص) : " المهدي من عترتي من ولد فاطمة " [13] .. نتيجة دراسة الماجستير ، البستوي : إسناده حسن ، وقال الألباني: صحيح.
  • عن علي بن ابي طالب (ع) عن رسول الله (ص) قال: " لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جورا " [14] .. نتيجة دراسة الماجستير ، البستوي : إسناده صحيح ، وقال الألباني: صحيح.

 

اعتنى العلماء والمحدثون من أهل السنة بجمع أحاديث المهدي في مصنفاتهم وكتبهم حفاظاً على التراث النبوي ، وقد أفردوا قديماً وحديثاً في المهدي المنتظر مؤلفات ذكروا فيها كل ما يختص فيه ، ومن هذه الكتب والمصنفات:

  1. كتاب (الفتن) تأليف: نعيم بن حماد المروزي الخزاعي، وهو من شيوخ البخاري، توفى 228 هـ.
  2. كتاب (البيان بأخبار صاحب الزمان) تأليف: محمد بن يوسف الكنحي الشافعي توفى 658 هـ.
  3. كتاب (عقد الدرر في اخبار المنتظر) تأليف: يوسف بن يحيى الشافعي السلمي، توفى 685 هـ.
  4. كتاب (العرف الوردي في أخبار المهدي) تأليف: جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، توفى 911 هـ.
  5. كتاب (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) تأليف: أحمد بن محمد بن حجر المكي الهيتمي ، توفى 974 هـ.
  6. كتاب (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان) تأليف: علي بن حسام الدين المتقي الهندي ، صاحب كتاب (كنز العمال) الشهير ، توفى 975 هـ.

 

علامات ظهور المهدي عند أهل السنة:

 

إن علامات الظهور عند مدرسة الخلفاء كثيرة وعديدة ، انتخبنا شذرة من الأخبار المستقبلية من كتب أعلام المدرسة والمصنفات المشهورة في هذا الباب كـ: (عقد الدرر) و (العرف الوردي) و (القول المختصر) و (البرهان في العلامات) ، ولم نراعِ الترتيب الزمني في تبويب العلامات المختارة ، وأيضا لم نشر إلى الرواية أو الدليل[15] لكل علامة ، مراعاة لمنهج البحث والدراسة ، لذا تطرقنا للمختصر القليل منها:

  • بلاء يصيب هذه الأمة ، حتى لا يجد الرجل ملجأً يلجأ إليه من الظلم.
  • فتن وأهوال كثيرة ، وقتل ذريع بين الكوفة و الحيرة.
  • خروج ستين كذاباً كل منهم يدعى أنه مرسل من عند الله.
  • يقتل عند كنزكم ثلاثة ، كلهم ابن خليفة ، ثم لا يصير إلى واحد منهم.
  • رجفة تكون بالشام ، يهلك فيها أكثر من مائة ألف إنسان.
  • هدم حائط مسجد الكوفة ، مما يلي دار عبدالله بن مسعود.
  • نزول الترك الجزيرة ، ونزول الروم الرملة.
  • نداء على سور دمشق: ويل للعرب من شر قد اقترب.
  • طلوع نجم بالمشرق يضئ ، ثم ينعطف حتى يلتقي طرفاه أو يكاد.
  • خسف قرية من قرى الشام تسمى (حرستا).
  • اختلاف أهل الشام بينهم ، والفزعة في شهر رمضان.
  • تطلع الرايات السود من قبل المشرق (خراسان) ثم يجئ خليفة الله المهدي.
  • خروج الأصهب من الجزيرة ، خروج الجرهمي من الشام ، خروج القحطاني من بلاد اليمن.
  • خروج ثلاثة نفر بالشام كلهم يطلب الملك، رجل أبقع ورجل أصهب ورجل من بيت أبي سفيان.
  • خروج السفياني ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس.
  • ركود الشمس وخسوفها في النصف من شهر الصيام ، وخسوف القمر في آخره.
  • صوت في ليلة النصف من رمضان ، يوقظ النائم ويفزع اليقظان.
  • نداء من السماء لأهل الأرض ، ويسمع أهل كل لغة بلغتهم.
  • استيلاء السفياني وجنده على الكور الخمس.
  • وقعة بقرقيسيا حتى تشبع طير السماء وسباع الأرض من جيفهم.
  • معمعة في شوال ، وفي ذي القعدة حرب وقتال ، وينهب الحاج في ذي الحجة.
  • آخر الفتن والعلامات قتل النفس الزكية ، أي ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام.
  • خسف البيداء بجيش الشام المتوجه لمكة للقضاء على المهدي.

 

مناقشة اطروحة أهل السنة في المهدي:

 

يتضح لنا من الاستعراض الموجز والسريع لمدرسة المذاهب الأربعة وقراءة تاريخ نشوئها ، ومن خلال الاطلاع على مؤلفات المدرسة وتتبع أقوال علمائها ، والحوارات والنقاشات العديدة التي دارت بخصوص القضية المهدوية:  أن العقيدة في المهدي المنتظر من العقائد الثابتة المتسالم عليها والمسّلم بها عند علماء وجمهور أهل السنة ، ويؤكدون الإيمان بأصل وأساس المهدوية ، ويرون أن العقيدة في المهدي من فروع العمل الواجب على الأمة ، لا من أصول الاعتقاد الذي يُبنى عليه الإيمان ، وإذا لم تكن المهدوية من العقائد فهي ملحق بما يجب الالتزام به ، لا كمعتقد بل باعتبار صدور الخبر الصحيح به.

 

عندما نبحث في جوهر وتفاصيل الأطروحة المهدوية عند أهل السنة ، ونتعمق أكثر في افكارها وجزئياتها نجد أن المهدي في التصور السني كالآتي:

 

  • المهدي شخص عادي من الأمة ، وينتسب إلى آل البيت (ع).
  • سيولد آخر الزمان ، ويعيش حياة طبيعية وبعمر إنسان عادي.
  • يختاره الله لمنصب المهدوية ، وهو لا يعرف نفسه أنه المهدي.
  • لا تكون له أي مزايا مختلفة عن بقية الناس ، فلا عصمة ولا ارتباط بالسماء.

 

 

لمناقشة هذا التصور والأطروحة ونقد أفكارها ، تثار عدة استفسارات وتساؤلات جوهرية ، ولعل أبسط هذه الأسئلة: إمكانيات وكفاءة هذه الشخصية (حسب نظرية أهل العامة) على تحقيق إنجازات عظيمة بحيث يحقق حلم كل الأنبياء والرسل ، والذين عجزوا عن تنفيذه طوال عمر وتاريخ البشرية ، وذلك بنشر العدل والقسط والتوحيد على كافة أرض المعمورة.

إن من يريد مناقشة ونقد نظرية أو اطروحة مهدوية ، فعليه أن يبدأ بدراسة قاعدتها ومبانيها العقائدية اولاً ، ويناقش جوهر أفكارها ويتعرف على منهجها ورؤاها [16] .. لقد ثبت أن المنهج الذي اتبعته مدرسة الخلفاء في الأطروحة المهدوية جاء مع سياق الواقع السياسي والتاريخي للمسلمين ، مما يحفظ لديهم نظرية الخلافة وشرعية السقيفة ، فأولت وفسرت جميع الأفكار في القضية المهدوية بما يتناسب مع مبادئ المدرسة ، مما أدى الى أن تكون النظرية المهدوية لديهم مفتقرة إلى الدليل والبرهان ، ومعتمدة في الكثير من أفكارها على أقوال العلماء واجتهاداتهم ، وإن خالفت بذلك النص و العقل.

 

بشذرات من رؤية استراتيجية شاملة ، وببعض من تحليل ونقد ، سنناقش بعض التصورات عن المهدي والتي انفردت بها مدرسة الخلفاء ، وسنرى مدى صدق و واقعية ما تميزت به الأطروحة في فضاء الثقافة الإسلامية و التعاليم الربانية ، ومدى صحة المباني والقواعد التي أسست نظريتهم في المهدي:

 

أولاً: سيولد في آخر الزمان (المستقبل) :

غالبية أهل السنة ينكرون ولادة المهدي ، ويقولون أنه سيولد في آخر الزمان ، والمتصفح لكلمات علمائهم وأقوال رجالهم بهذا الموضوع لا يجد لهم أي مستند شرعي ولا علمي ولا تاريخي لإثبات مدّعاهم ، بل كل الأدلة والبراهين والروايات تقول: " سيبعث – سيخرج – سيظهر - ....... " ولم نجد أي حديث  ولا رواية واحدة على الأقل منسوبة للرسول (ص) أو حتى للصحابة أو حتى للتابعيين ( سواءً كانت ضعيفة او مختلقة او مكذوبة) تقول إنه سيولد في آخر الزمان ، فالمطلوب دليل شرعي واحد فقط يثبت أو يؤكد ذلك ، وهذا هو الحد الأدنى ومع ذلك لم يتوفر .. فلا ندري على ماذا اعتمدت مدرسة الخلفاء على فكرة ولادته في المستقبل؟!!.

من الواضح أن المسألة في خلفيتها الفكرية والعقائدية تتعلق بالموقف من الإمامة ، فمدرسة المذاهب الأربعة اضطرتها المصلحة المذهبية والتمسك بصحة وشرعية السقيفة والخلافة ونظرية الشورى ، إلى ضرورة الجنوح بالمسألة المهدوية صوب الرؤية المستقبلية (سيولد في آخر الزمان) فراراً من القول بإمامة أهل البيت (ع) ، والخوف من انهيار شرعية نظام الخلافة.

كيف نعذر من فاضت أمامه الأدلة  وتكاثرت الحقائق بولادة ووجود الإمام المهدي (ع) ، وجمهور أهل العامة لا يستندون في معرض إنكارهم على دليل شرعي متين ، ولا على تحليل عقلي عميق ، ولا على حقائق علمية رصينة ، وهم بذلك يرتكبون أخطاء:

  • رفضهم للحقائق من دون دليل.
  • عدم قبولهم بالأدلة الشرعية الوافرة[17].

إن حقيقة ولادة ووجود الإمام صاحب الزمان (عج) ليس أمراً تاريخياً فحسب ، بل هو أمرٌ له صلةٌ بالمستقبل ، ونتائج المستقبل هنا هي من يحسم حقائق التاريخ.

 

 

ثانياً: تعيين المهدي للخلافة :

تساؤلات وإشكالات عديدة تثار حول أطروحة أهل السنة في المهدي المنتظر ، وقد يكون هذا السؤال أحد الأركان والأعمدة الرئيسية لهذه الإشكالات ، لأنه يمس أصل وجوهر المدرسة من الأساس ، وينسف المباني الفكرية التي قام عليها المذهب (المذاهب الأربعة) : هل مهدي مدرسة شيعة الخلفاء منتخب بالشورى ، أم معين ومختار من قبل الله سبحانه وتعالى؟ .. وما الدليل على أقوالكم؟ .. فهل أمر المهدي موكّل لأفراد الأمة ليختاروه بالشورى؟ .. إن كانت الإجابة (نعم) ، وهذا هو الرأي الحق و الصواب ، فلماذا لا نتفق ونقرر من الآن ونختاره !! ، هل ننتظر ظلم وجور أكثر من واقعنا الحالي ، أم أن أوضاع الأمة الإسلامية تعجبنا !! ، هل هناك دليل شرعي على أنه منتخب بالشورى؟ !! .. حسب الأحاديث الصحيحة والصريحة لدى المدرسة ، فإن كل الأدلة والبراهين تؤكد أن أمر المهدي بيد الله سبحانه وتعالى ، كما جاء في نص العديد من الروايات الصحيحة والمعتبرة (يبعثه الله) [18] ، أي أن تعيين واختيار المهدي يتم من قبل الله ولا شأن للأمة في ذلك ، وهذا يخالف مبادئ وأسس مذهبهم ، ونظريتهم الأولى في السياسة ، وعقيدتهم في الخلافة.

نحن نستغرب أشد الاستغراب !! كيف يتم تعيين واختيار المهدي من قبل الله بعد مئات السنين وهو الاخير من الأئمة والخلفاء[19] ، ولم يتم تعيين أو تنصيب او اختيار أي من الخلفاء الأحدَ عشر الذين قبله ، منذ صدر الإسلام وحتى آخر الزمان .. هذا الموضوع أدى إلى اضطراب مدرسة أهل العامة في تفسيرهم وتشخيصهم للحقيقة المهدوية ، بالإضافة إلى أن هذا الحديث يدل على أن فترة إمامة وخلافة الإثني عشر رجلاً الذين أشار لهم رسول الله (ص) تستوعب جميع مراحل التاريخ الإسلامي ومستقبله.

إن مدرسة الخلفاء لما آمنت منذ البدء بشرعية السقيفة ونظام الخلافة ، ورفضت مبدأ التعيين والتنصيب من قبل الله ، وأقامت تراثها الكلامي والفقهي على هذا الأساس ، واضطرت إلى تأويل كل ما يعارضه ، فانكشف اضطراب آرائها في تحديد هوية و أشخاص الخلفاء الاثني عشر ، ووقع في مطبات يتعذر الخروج منها عند ذكر أسمائهم .. إن حديث الخلفاء الاثني عشر هو جوهر مفهوم المهدوية ، وإن ثبوت وربط المهدي بهذا الحديث ، لا يبقي مجالاً للشك في أصالة المفهوم العقائدي للمهدوية الذي تصر عليه مدرسة أهل البيت (ع) ، وإن فشل التفسير التاريخي للإمامة والخلافة الاثني عشرية من قبل مدرسة المذاهب الأربعة ، يعني بالنتيجة فشل هذا التفسير بالنسبة إلى المهدوية أيضا.

 

ثالثاً: معرفة المهدي حقيقة نفسه:

كيف لهذا الشخص العادي أن يعرف نفسه أنه المهدي الحقيقي المختار من قبل الله سبحانه وتعالى؟.. وهذا الشخص حسب تصور أهل العامة ليس له ارتباط بالسماء ، وكيف يتأكد من حقيقة نفسه ومن مهدويته ؟ .. وكيف يتسنى للأمة ولجمهور المسلمين أن يصدقوه ويؤمنوا بصحة دعواه؟ .. بالرغم من كثرة مدعي المهدوية كذباً وبهتاناً ، فضلا على أن هذا الشخص العادي يرتكب بعض الذنوب والمعاصي باعتباره غير معصوم ، وفي الوقت نفسه ليس عنده دليل أو امكانيات (كمعجزة او كرامة) ليثبت حقيقة مهدويتة باعتباره غير مرتبط بالغيب .. مما يضعنا أمام تساؤل كبير وإشكال مهم جداً : كيف السبيل للأمة أن تشخص أنه المهدي المنتظر الحقيقي؟ .. و كيف نستطيع أن نميز بينه وبين المدعين؟ ، والأدهى والأمرّ من ذلك أنه لا يعرف حقيقة نفسه ، فكيف إذاً نعرفه ونصدقه.

هذا الاستشكال واللبس في الأطروحة (عدم المعرفة) أدى في الواقع إلى سقوط هوية المهدي المنتظر في مدرسة الخلفاء ، حتى وإن ذكرت الأحاديث نسبه الشريف ، لكن رواياتهم لم تحدد شخصه بالدقة باعتباره سيولد في المستقبل .. مما ولّد جرأة على ادعائها من قبل  اشخاص ، وكذلك تهيئة الأرضية الفكرية والثقافية والمناخ النفسي والاجتماعي لتقمص شخصية المهدي (كذباً وزوراً) ، مما جعل هذا الشئ رائج في المجتمع السني أكثر من المجتمع الشيعي ، فادعاء المهدوية من الشائعات (الرائجات) التي اعتاد عليها أبناء العامة ، فالمهدوية بمدلولها السني تتيح الفرصة لهكذا نوع من الادعاءات ، وقد ظهرت في السنوات الأخيرة أكثر من دعوى في هذه القضية [20] ، وعدم المعرفة من الأسباب التي تؤدي الى انتشار ذلك ، وهذا من الملابسات والإشكالات التي تذكر في هذا المجال ، ومما يؤخذ على الأطروحة لدى المذاهب الاربعة:

أنها لا تتصف بأي معاني غيبية غير مألوفة كالغيبة أو العمر الطويل أو الإمامة المبكرة أو الارتباط بالسماء ، وللأسف دفعهم جهلهم وعجزهم عن تصور هذه الصفات ، إلى إنكار هذا المفهوم عن المهدوية واتهام من يؤمن بذلك بالغلو والسذاجة ، والاستعاضة عنه بمفهوم آخر للمهدوية يخلو من هذه الأبعاد ، مما أوقعهم في غموض تحديد شخصية وهوية المهدي ، وأدى إلى أن جمهور الأمة لايستطيع معرفته ، فيظل الأمر ملتبسا على الناس حتى وإن ظهر المهدي الحقيقي .. وبعملهم هذا قد انتقلوا من الكمال إلى النقص ، فضلا عن مخالفته للناحية المنطقية التي تقتضي في باب الاعتقاد متابعة الدليل والبرهان اينما وجد ، لا تحريفها باتجاه ماتقتضيه الأهواء والمصلحة المذهبية.

 

رابعاً: صلاة المسيح خلف المهدي واستيعاب شخصيته:

إن الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم (ع) وصلاته خلف المهدي (عج) ثابتة ومتواترة عند الفريقين شيعة[21] وسنة[22]. ولله تعالى حكمة بالغة في ذلك ، ألا وهي التصديق بالمهدي (ع) وتقوية موقعه بين المسلمين أولاً ، وبين سائر الشعوب الاخرى وبالخصوص الشعوب المسيحية ثانياً ، وتسهيل مهمته (ع) في إقامة دولة العدل الإلهي إلى حد كبير .. وفي صلاة المسيح مأموماً خلف المهدي (ع) إثبات بأحقيته (عج) وأنه الوريث الشرعي لكل الرسالات ويجب الانضواء تحت قيادته الشرعية ، وبالتالي تثبت عالمية القضية المهدوية.

 

والسؤال الذي يطرح على مدرسة المذاهب الأربعة : كيف يمكن استيعاب مثل شخصية السيد المسيح (ع) بعد نزولها ؟!! .. باعتبار أن نزول عيسى (ع) بحاجة إلى استيعاب علمي وعملي وقيادي من قبل المهدي ، باعتباره شاهداً له ولرسالة الإسلام .. يحتار جمهور مدرسة الخلفاء عندما تسألهم: هل بإمكان شخص عادي يولد في المستقبل ، غير مؤيد بالمعجزات والعصمة والعلم التام – أي بلا تأييد إلهي – أن يستوعب شخصية عظيمة ورسول من أولي العزم كالسيد المسيح (ع) ؟.

 

المهدي على تصور أهل العامة لن يكون قادراً على استيعاب شخصية المسيح (ع) ، بل هو غير قادر على استيعاب طوائف المسلمين أصلاً ، لوجود مشكلات جوهرية تعترضه منها: مشكلة إثبات كونه المهدي الموعود الحقيقي ، فهو من غير ارتباط بالسماء – وهذا ما تتصوره أطروحة أهل السنة – لن يكون قادراً على كسب القناعة التامة من الآخرين بمهدويته ، بالإضافة إلى الفرق الكبير والشاسع بين إمكانياته الشخصية والقدرات التي يمتلكها السيد المسيح (ع).

 

بالتعرف على الهدي القرآني الذي يفيد بظهور النبي عيسى (ع) في آخر الزمان مؤيداً للمهدي ، يقتضي أن تكون خلافة أو إمامة المهدي مستوعبة لعيسى النبي الرسول المعصوم المؤيد إلهياً ، ولن تستوعبه هذه المهدوية ( الأطروحة السنية ) إذا لم تكن معصومة ، إلا إذا افترضنا أن يكون صاحبها نبياً – وهذا مخالف للقرآن بخاتمية النبوة – او أن نقبل بالمهدي على التصور و الطرح الشيعي الذي يستوعب ماعجز عنه المهدي بالاطروحات الاخرى ، فهو قادر على استيعاب ظاهرة المسيح (ع) ، وقادر ايضا على استيعاب طوائف أمة جده (ص) والبشرية كافة.

 

خامساً: الإيمان بخوارق الدجال وإنكار استئثار المهدي لمثلها:

الدجال حسب التصور السني هو : رجل من الناس يهودي ، ليس من الجن ولا من الملائكة ، يجري عليه ما يجري على البشر ، يأكل ويشرب ويبول ويتغوط ويمشي في الأسواق ، وهو مولود من أب و أم (مخلوق) ليثبت لدى الناس ، أنه ليس إلهاً ولا رباً [23] .. لقد أولت مدرسة الخلفاء عناية خاصة بأحاديث الدجال وأعطت اهتماماً يفوق حجم الاهتمام بأحاديث المهدي !! ، وتكاد تفقد أو تعدم أحاديث السفياني !! ، ذكرت الروايات عن الأعور الدجال في كل كتب السنة الصحيحة وشروحها وغيرها من الكتب ، وقد تواترت الأحاديث عنه جملة وتفصيلاً تواتراً معنويا ، وليس هناك خلاف بين علماء الحديث على قبول سيرة الدجال والإيمان بأنه سيخرج آخر الزمان ، ثم ينزل عيسى بن مريم (ع) لقتله ، وأنه من علامات الساعة الكبرى ، وأن الإيمان به و بخروجه حق وواجب ، وهذه عقيدة أهل العامة فيه.

روايات أهل السنة في الدجال تؤكد أنه وُلد من الآف السنين ، فقصة تميم الداري (كحديث صحيح) [24] والمشهورة في علم الحديث بقصة (الجساسة) [25] تثبت أن تميم الداري شاهد الدجال محبوساً في إحدى جزر البحر ايام رسول الله (ص) وأن دابة (الجساسة) تقوم برعاية شئونه من الاكل والشرب وغيره .. والثابت أيضا في مدرسة المذاهب الأربعة ، أن الدجال رجل يهودي الأصل يظهر من جهة المشرق ، فيدّعي بين الناس الصلاح والاستقامة والتدين ، ثم يدّعي النبوة ، ثم يدّعي الالوهية [26] . ومن الصفات والخوارق التي يتميز بها عدو الله عن غيره (حسب اطروحة شيعة الخلفاء) مايلي:

  • وُلد من آلاف السنين ، وهو غائب ومحبوس في إحدى جزر البحر (حديث الجساسة).
  • يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، والأرض أن تنبت فتنبت.
  • يحبس الشمس عن الناس ثم يسيرها مرة أخرى.
  • قدرته على الإحياء والإماتة لدرجة أنه يقتل بعض الرجال ويقسمه نصفين بالمشار ، ثم يمشي بين القطعتين ثم يقول له: قم ، فيستوي قائماً.
  • معه نهران: نهر يقول الجنة ، ونهر يقول النار ، فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهو النار ، ومن أدخل الذي يسميه النار فهو الجنة.
  • يمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك ، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل.
  • أن تطوى له الأرض مهلاً مهلا ، طيّ فروة الكبش ، وأنه يسيح في الأرض كلها في اربعين يوماً.
  • له ثلاث صيحات يسمعها أهل المشرق وأهل المغرب ، ويتناول الطير من الجو ويشويه في الشمس.
  • يأتي نهر فيأمره أن يسيل له فيسيل ، ثم يأمره أن يرجع فيرجع ، ثم يأمره أن ييبس فييبس .
  • يأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحا.
  • يأمر الريح فتسير سحاباً من البحر فتمطر الأرض.
  • تنام عيناه ولا ينام قلبه.
  • يتحدث جميع لغات أهل الأرض.

 

وهناك الكثير من عجائب وخوارق  الدجال [27] صرحت بها كتب صحاح أهل السنة ، موضحة الاساليب التي سيصنعها أو يستخدمها لإغواء البشر.

  

للأسف واكررها مراراً .. إن أهل السنة يثبتون ويؤكدون ما يظهر على يد كافر عدو لله من خوارق وعجائب ، ولكن !! ينكرون ويشكلون استئثار المهدي (ع) لبعض المزايا والكرامات مثل: طول العمر والإمامة المبكرة والغيبة ، وهو ولي من أولياء الله .. فهل المهدي في نظرهم أهون على الله من الدجال؟ !! – أعوذ بالله – ولكن للأسف المصلحة المذهبية ، وهنا مربط الفرس.

من المدهش حقاً في أطروحة أهل العامة ، الإيمان والتصديق بطول عمر وغيبة الدجال ، إمام الشرك والكفر والضلال آخر الزمان ، وإظهارهم لطف الله وعنايته في حفظ حياته ، وإطالة عمره قروناً عديدة ، ليخرج بعد ذلك يمارس دور إغواء المجتمع البشري .. بينما يتخلى الله سبحانه وتعالى عن حفظ حياة ابن الرسول (ص) منقذ البشرية من الظلم والجور والضلال ، ويملأ الأرض قسطا وعدلاً وينشر التوحيد .. !! إن فكرة الغيبة وطول العمر تقوم بالأساس على عقيدة الإيمان بالمعجزة والغيب ، ولا يمكن تحقق إطالة عمر المهدي المنتظر (عج) بدون تدخل القدرة الإلهية ، فضلا على ان هذا الأمر ممكن عقلا ، ولم يقم أي دليل شرعي او علمي على امتناعه او استحالته.

 

اليس من العجيب ، إنكار مزايا وكرامات لولي من أولياء الله ، والإيمان بخوارق وعجائب عدو من أعداء الله ، فما لهم كيف يحكمون !! ، والأعجب أن ثقل عليهم استيعاب الاطروحة الشيعية في المهدي المنتظر (ع) ، فأخذوا الأمر بالسخرية والاستهزاء ، ولم نر هذا الكلام والاستهزاء والاستثقال على خوارق ومزايا منحرف ضال مدعٍ للألوهية.

 

 

إشكالات ونقاط علمية وفكرية عديدة يمكن طرحها على طاولة البحث والدراسة والنقاش ، ونقد الأطروحة سلباً من خلالها ، من قبيل:

 

  • الأرضية الفكرية الداعمة للادعاءات الكاذبة للمهدوية والمتكرره في التاريخ والحاضر في وسط مجتمع أهل السنة.
  • عدم التصريح بلفظة المهدي في صحيحي البخاري ومسلم ، وتأثير الضغط الأمني والسياسي للسلطة العباسية على ذلك.
  • استغلال بعض الملابسات التاريخية في القضية المهدوية والتشكيك بنسب وهوية المهدي.
  • التشكيك بعصمة المهدي و أثرها على مستقبل البشرية حين ظهوره.

 

 

والكثير من النقاط الأخرى التي يمكن طرحها للنقاش ، ولكن لا يهمنا هنا الاستطراد في مناقشة ومعالجة هذه المسائل ، لأن الغرض من سرد الأمثلة السابقة وبحثها ودراستها باختصار سريع ، والتعرف على نقاط الضعف والنقد ، إنما ياتي ضمن سياق إيضاح الأفكار والمبادئ التي تقوم عليها أطروحة أهل السنة في المهدي ، واستشفاف الحقيقة.

 

خلاصة القول :

 

إن نمط التصور السني للمهدوية يعكس المبادئ الأساسية التي قامت عليها مدرسة الخلفاء من البدء ، بشرعية السقيفة ونظام الخلافة والشورى ، ورفض التعيين والتنصيب من قبل الله سبحانه وتعالى للإمام والخليفة .. وهكذا أصبحت المهدوية في أطروحة أهل العامة عبارة عن شخصية عادية غامضة ، وإن كان من سلالة المصطفى (ص) ، فهو ليس أكثر من مصلح اجتماعي ، وقائد سياسي يحكم بالعدل ، ويُطبق التعاليم الاسلامية بناءً على اجتهاده ، وسوف تسنح له الفرصة بان يسيطر على بقعة كبيرة من أرض العالم ، فيحقق بإمكانياتة الشخصية المتواضعة – (باعتباره غير مرتبط بالسماء ، ومن غير أي مزايا إيمانية وعلمية وقيادية فريدة عالية) !! – حلم الأنبياء ، ويجسد طموحات المرسلين وآمال المصلحين ، وتتويج البشرية بسيادة دولة العدل الإلهي.

إن هذا التصور والأطروحة في تشخيص المهدي ، لا يصمد ولا يبقى ثابتا أو متيناً على طاولة البحث والدراسة والنقاش ، باعتباره يفتقر للأدلة الشرعية المتينة او المنطق العقلي العميق ، التي يمكن أن تسند هذا الرأى ، وفي الحقيقة هذا التصور قائم في الأساس على اجتهاد وآراء علماء المدرسة ، وقبل ذلك على القواعد والمبادئ والأسس المذهبية التي نشأت عليها .. فمثلا لا يوجد دليل شرعي واحد (حديث شريف: صحيح أو ضعيف) يقول: إن المهدي سيولد في المستقبل أو آخر الزمان ، غير أقوال وآراء الرجال ، كذلك لا تجد دليلاً واحداً يقول: إن المهدي سيتم اختياره من قبل الأمة ، وأيضا ليس لديهم أي دليل يوضح: كيف سيعرف المهدي نفسه أو تعرفه الأمة؟ .. وهكذا بقية التصورات التي تتبناها المدرسة ، وتفتقر للأدلة والبراهين التي تثبتها.

إن فكرة المهدي المنتظر انتقلت إلى جمهور مدرسة الخلفاء من خلال الموروث الثقافي والديني وبشكل هامشي .. فالمهدوية في مفهوم أهل السنة ليس لها تاثير في الواقع الإنساني تاريخياً وحاضراً ، بالإضافة لافتقادها لأي تاثير نفسي أو روحي على واقع الفرد او المجتمع السني ، وكذلك ليس لها أي أثر يذكر في الحياة الفكرية او الثقافية لمدرسة المذاهب الأربعة .. فما زالوا يعتقدون بأن المهدوية ليست أكثر من تنبؤ مستقبلي أو مسألة مستقبلية صرفة ، فالمهدي في نظرهم خليفة لا أكثر ، وإحدى علامات الساعة الكبرى ، ومن غير أي رؤية وتعاليم جامعة شاملة أو رؤية استراتيجية للنجاة تحتضن أفراد البشرية كافة ، وهي بهذا تبين الحد الأدنى من الحقيقة المهدوية.

جوهر القضية المهدوية في أطروحة أهل العامة ، أنها من فروع العمل الواجب على الأمة الإيمان به ، لا كمعتقد بل باعتبار صدور الخبر الصحيح به ، فهي ليست محور عقائدي هام ، ولا خصائص معينة مترتبة على ذلك ، شأنه شأن أي علامة من علامات يوم القيامة ، فهي مجرد إخبار عن مستقبل سعيد للبشرية سيكون في نهاية المطاف .. فمهدي أهل العامة لم يوجد حتى اليوم ، فهو مثل مسيح اليهود مجرد أمل وفكرة ، تجسيدها غير مؤكد على الاطلاق ، وتجسيدها مرتبط بتاريخ أهل السنة.

للأسف ، لقد جعلوا من المهدوية قضية عائمة في المستقبل ، بعد أن كانت قضية إسلامية أصيلة ، متجذرة في عمق التاريخ الإسلامي ، منطلقة من مبدأ (إمام الزمان) قال رسول الله (ص): " من مات ولم يعرف إمام زمانه ، مات ميتة جاهلية " [28] .. ومما يرثى له حقا ، أن جمهور مدرسة الخلفاء لا يعرفون إمام زمانهم الحالي ، ليحصّنوا أنفسهم من موتة الجاهلية ، وفي عصرنا الحالي ليس هناك مصداق حقيقي أو تطبيق فعلي لهذا الحديث غير الاعتقاد بوجود المهدي المنتظر (عج) حياً يرزق وقائداً وإماماً ، ننتظر خروجه ليملأ الأرض قسطا وعدلاً .. فالمسلم الذي يؤمن بحياة النبي عيسى (ع) ، بل وحياة الدجال الكافر ، ويروي في أصح كتبه (حديث الجساسة) الصريح في أن الدجال كان حياً في عصر النبي (ص) وأنه يخرج في آخر الزمان ، كيف يعيب أطروحات المدارس الأخرى قولهم بولادة وبقاء الإمام المهدي (ع) ، وينسبهم إلى الجهل وعدم العقل ، أليس من العجيب ، جرأة مدرسة أهل العامة وتحاملها على الشيعة إيمانهم بوجود الإمام المهدي (عج) ، فدراسة [29] كثير من الادعاءات الكاذبة للمهدوية في المجتمع السني ، أوضحت أن هذه الادعاءات نتاج إنكار ولادته وبقائه (ع) ، ونتاج عدم الاهتداء والاهتمام بعلامات ظهور المهدي (ع) ، ونسبه وهويته وخصائصه وقدراته ومزاياه المصرحة بها في الأحاديث الشريفة .. فهل من اللطف أن ترفع الحجج عن الأرض؟ ، وهل من اللطف والعدل الإلهي أن تترك البشرية سُدى؟!!.

الحمد لله ، فالشيعة الإمامية الإثني عشرية تقر بإمامة (م ح م د) بن الحسن العسكري (ع) وتلتزم بها ، وتؤمن بأنه معين ومُنصّب (جعل) من الله ، وتؤمن به كإمام مفترض الطاعة ، وهو خاتم الأوصياء والأئمة والخلفاء الإثنى عشر الذين ذكرهم رسول الله (ص) ، وتعترف بعصمته وبمقامه الشامخ ، وبمراتب الكمال العالية لديه ، وتحدد بوضوح هويته ونسبه وآباءه وصفاته وعلامات ظهوره ، وهم بهذا يقفلون الطريق على كل من يدعي الإمامة والمهدوية دجلاً وزوراً وبهتاناً .. فالسلام عليك ياصاحب الزمان وشريك القرآن وإمام الإنس والجان ، وعجل الله تعالى فرجك وسهل مخرجك.     

 

 

[1] - مسائل خلافية حار فيها أهل السنة ، الشيخ علي آل محسن ص 118.

 

[2] - مثلاً : بحوث في الملل والنحل للشيخ جعفر السبحاني.

 

[3] - سنن ابن ماجه  2 : 4085 ، الحاوي للفتاوي 2 : 78

لكن غاب عنهم أن معنى (يصلح امره في ليلة) المراد منه تمكينه قبضة الحكم والسيطرة على أجهزة الدولة في بلاد الحجاز في ليلة واحدة.

 

[4] - العقد يساوي عشر سنين.

 

[5] - استناداً إلى ما جاء في سنن أبي داود (اسمه اسمي واسم ابيه اسم أبي)

 

[6] - جاء في الحديث عن جابر بن سمرة قال : سمعت رسول الله (ص) يقول: " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا ...... فقال ، كلهم من قريش " . ذكره البخاري في صحيحه (3/311) ، صحيح مسلم (3/1452 ، 1453 ، 1454) ، سنن أبي داود (4/106) ، جامع الترمزي (5/501) ، مسند احمد (5/86 -108).

[7] - كتاب المهدي المنتظر ، ابراهيم المشوخي ص 35 ، مكتبة المنار الاردن – ط 2 / 1406 هـ.

[8] - التواتر المعنوي: هو الذي يكتفي فيه بأداء المعنى ، ولو اختلفت رواياته عن الجمع الذين تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.. فالأحاديث تكون مختلفة لكنها تتفق على المعنى الذي نريده، ومثاله هو ما بين أيدينا، وهو حديث خروج المهدي آخر الزمان.

[9] - رسالة ماجستير – جامعة الملك عبدالعزيز- قسم الدراسات العليا – مكة المكرمة – 1398 هـ. طبعت في مجلدين :

المجلد الأول بعنوان : المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة.

المجلد الثاني بعنوان : الموسوعة في أحاديث المهدي الضعيفة والموضوعة.

 

[10] - المصدر السابق ، البستوي ، المكتبة المكية 1420هـ [1/356]

 

[11] - سنن أبي داود (4/106) ، جامع الترمذي (4/505) ، مسند احمد (1/448) و (1/376) ، المعجم الكبير (10/164 – 167).

 

[12] - سنن أبي داود (4/106) ، المستدرك (4/557) ، الفتن - بن حماد (ص 99 و 100).

 

[13] - سنن أبي داود (4/107) ، سنن ابن ماجه (2/1368 ح 4086) ، المستدرك (4/557).

 

[14] - سنن أبي داود (4/107) ، مسند احمد (1/99) ، مصنف ابن أبي شيبة (321 / ب).

 

[15] - لمزيد من التفاصيل والبحث والدراسة ، ولمعرفة الكثير عن علامات الظهور عند أهل العامة ، ننصح بالرجوع الى الكتب الأربعة المذكورة ، والاطلاع على كل علامة والحديث الشريف الدال عليها ، إضافة للأحاديث والروايات في هذا الباب.

 

[16] - من خلال الحوارات والنقاشات في القضية المهدوية مع جمهور أهل العامة ، للتصور الشيعي الاثني عشري للمهدوية ، دائما يبدأون من الذيول التاريخية للقضية ، فيكون محور حديثهم (الولادة – اسم الأم – السرداب – طول العمر – الغيبة – الإمامة المبكرة  .... الخ) ولا يتطرقون إلى المباني الأساسية للأطروحة الشيعية بالبتة.

 

[17] - ذكرنا في كتابنا (النور الغائب والادعاءات الكاذبة) عشرات الأدلة الشرعية والعقلية والتاريخية التي تثبت ولادة ووجود الإمام المهدي (ع).

 

[18] - ومثال على ذلك : ارجع إلى الحديث في بداية البحث عن الإمام علي بن ابي طالب (ع) وفيه ( لبعث الله رجلا من أهل بيتي).

كذلك عن ابن مسعود عن النبي (ص) قال: " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي" أخرج في: سنن ابن داود [2:106 ح 4282] ومستدرك الحاكم وقال: صحيح ووافقه الذهبي.

كذلك عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): " لتملأن الأرض جوراً وظلما ، فإذا ملئت جوراً وظلما ، بعث الله  رجلاً مني اسمه اسمي" أخرجه البزار ، والحاكم ، وابن عدي ، وأبو نعيم ، وأحمد في مسنده.

 

[19] - حديث " الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش " و " لايزال هذا الدين قائماً ماوليه اثنا عشر كلهم من قريش " .. هذا الحديث متواتر ، روته الصحاح والمسانيد بطرق متعددة وإن اختلف في متنه قليلا ، راجع . صحيح البخاري ، كتاب الأحكام ، باب الاستخلاف [9 : 101] – كذلك راجع صحيح مسلم / كتاب الإمارة باب الاستخلاف [6 :4] – كذلك راجع مسند أحمد [ 5 : 90 ، 93 ، 97] – كذلك أخرج ابو داود في سننه [2 : 207] في كتاب المهدي بلفظ  " لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة .....".  نعم فأهل العامة قد اختلفوا في تأويله واضطربوا.   

 

[20] - ذكرنا في كتابنا (النور الغائب والادعاءات الكاذبة) اكثر من 20 قصة إدعاء كاذب للمهدوية وجميعها وقائع معاصرة حديثة.

 

[21] - عن الإمام الباقر (ع) : " ان عيسى (ع) ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا ، فلا يبقى أهل ملة يهودي ولا غيره إلا آمنوا به قبل موتهم ، ويصلي عيسى خلف المهدي (ع) " منتخب الاثر ص 479.

 

[22] - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) : " كيف انتم اذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " صحيح البخاري باب نزول عيسى [ص 158] ، صحيح مسلم باب الايمان في باب نزول عيسى [ج 2 : ص 500] ، مسند احمد [ج2 : ص 336].

 

[23] - هذا التعريف: ذكره القرطبي في كتاب التذكره لمعنى الدجال ، شرح نجم الدين محمد امين الكردي (للنهاية المكمل لكتاب البداية والنهاية) لابن كثير – وذكر هذا التعريف ايضا في كتاب : خلاصة المقال في المسيح الدجال ، لمحمود الغرباوي ص 13 – وكذلك ذكر في كتاب: بشرى البشر في حقيقة المهدي المنتظر ص 127 .

 

[24] - قال الالباني: حديث الجساسة حديث صحيح ، وليس فيه ما يخالف الأحاديث الصحيحة إطلاقا ، وإنما فيه تفاصيل ستقع يوما ما مما لم يرد ذكره في بعض الأحاديث الصحيحة ، موسوعة الالباني في العقيدة ، باب حول حديث الجساسة [1593].

 

[25] - تخريج حديث الجساسة : عن فاطمة بنت قيس ، وأبي هريره ، وعائشة ، وجابر بن عبدالله :

  1. صحيح مسلم ، باب الفتن واشراط الساعة [ح 2942].
  2. سنن الترمذي ، باب الفتن [2253].
  3. سنن أبي داود ، باب الملاحم [4325].
  4. مسند احمد ، باقي مسند الانصار والقبائل [ج 6 / ص 373 – 374 – 411 – 416 – 418 ].

 

[26] - اخرج الطبراني حديث يثبت ذلك ، في فتح الباري [ج13 ، ص19].

 

[27] - لمعرفة المزيد عن خوارق الدجال عند أهل العامة ، ومعرفة الاحاديث التي صرحت بذلك راجع:-

  1. كتاب: اقترب خروج المسيح الدجال ، لـ هشام كمال عبدالحميد 2006م القاهرة.
  2. كتاب: خلاصة المقال في المسيح الدجال ، لـ محمود الغرباوي 2004م القاهرة.

 

[28] - اخرجه صحيح بخاري [5 : 13] باب الفتن ، صحيح مسلم [ 6 : 21 – 22] ، المستدرك للحاكم على شرط الشيخين [1 – 77].

[29] - ذكرنا في كتابنا (النور الغائب والادعاءات الكاذبة) أكثر من 20 قصة ادعاء كاذب للمهدوية وجميعها وقائع معاصرة حديثة ، واوضحنا الاسباب والنتائج لذلك.

 

إضافة تعليق جديد



Article | by Dr. Radut