Jump to Navigation
Thursday, April 22, 2021
تمت أضافة أختبار ثقافي مهدوي يكشف لك مدى إلمامك بالقضية المهدوية

مسؤولية المسلمين في عصر الغيبة

رسالة الخطأ

Notice: Undefined offset: 1 in counter_get_browser() (line 86 of /home/mahdil5/public_html/sites/all/modules/counter/counter.lib.inc).

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

 

١١/١١/٢٠٠٠

15 شعبان 1421هـ

 

 

في الذكريات الإسلاميّة، ولا سيما ذكرى مولد الإمام المهدي(عج)، لا بد لنا من أن نعيش في معنى هذه الذكرى انطلاقات المستقبل، لأنه أمل المستقبل، ولأن ثورته وتطلعاته تنفتح على عنوان كبير، هو عنوان الرسالات، فقد انطلقت الرسالات كلها ـ كما أشرنا أكثر من مرة ـ من قاعدة العدل، فالدين في معناه الحركي، في معنى الإنسان المنفتح على الله، يساوي العدل، فأن يكون لك دين، يعني أنك عادل، لأن الدين في معناه الأعمق يقوم على أساس الحق. وفي القرآن الكريم، هناك آية تقول: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ}[1]، فالله هو الحقّ، والدين يتحرّك في سر هذا الحق، ليجعل العقل حقاً في فكره، وليجعل القلب حقاً في نبضاته السّلبية والإيجابيّة، وليجعل الحركة في الكيان حقاً في علاقتها بالنّاس وبالأشياء وبالحياة، وليجعل النّاس مجموعة تتعاون بالحقّ، وتتكامل بالحقّ، وتؤكّد الحقّ في الحياة.

والعدل هو أن تعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، بأن تدرس حقوق الناس، وحقوق الحياة، وحقوق نفسك، وقبل ذلك، حق الله سبحانه وتعالى، فتعطي لكلّ ذي حقّ حقّه. وكلمة العدل تختصر في حركيّتها كلمة الحق، ولذلك، فأن تصلّي وتصوم وتحج، ولا تعطي الناس حقوقهم فيما لهم عليك من حقوق، فأنت لست بصاحب دين، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومنع الإنسان حقّه من أكبر المنكرات. وهكذا الصوم الذي هو طريق التقوى، وأيّ تقوى لك إذا كنت لا تعدل في علاقتك بالناس الذين يتمثل حقهم في عدلك؟!

الإعـداد لليوم الموعود

ونحن ننطلق ـ أيها الأحبة ـ في هذه الذكرى التي أخذت عنوانها من شعار العدل في العالم، ليكون العدل للإنسان كله وللحياة كلها. وبهذا ـ أيها الأحبة ـ فإن عنوان هذه الذكرى لا بد من أن يتحرك معنا بعيداً عن كل الطقوس والكلمات الاحتفالية، بل إننا إذا أخلصنا للرمز، فإن علينا أن نخلص للخط، والإخلاص للخط يفرض علينا أن لا نستغرق في التفكير في كيف يكون العدل العالمي في نهاية مطاف الدنيا الذي قد نبلغه وقد لا نبلغه، بل أن نفكّر في الحياة الراهنة، لنرى كيف نتحرك مع المستكبرين الذين فرضوا استكبارهم من مواقع قوة المال والسلاح والسياسة والأمن وما إلى ذلك، ومن خلال المستضعفين الذين استضعفوا أنفسهم، وجمّدوا مواقع القوة عندهم، فكانوا المساعدين للمستكبرين، كما قال المفكر الإسلامي (مالك بن نبي)، إن هناك شعوباً تعيش قابلية الاستعمار، بحيث تجتذب الاستعمار إليها عندما تنحني له، وعندما تكف عن استنفار طاقاتها في خط المواجهة، على طريقة ما قال المتنبي:

                       من يهن يسهل الهوان عليه       ما لجرح بميتٍ إيـلامُ

عندما تموت الإرادة تموت الإنسانية، لأن إنسانيتك تعني أن تريد أو لا تريد، وأن تكون لديك إرادة الرفض، أن لا تكون الـ(نعم) في خطابك كلّه أو جوابك كلّه، بل أن تقول (لا) عندما تهدّد الـ(نعم) كيانك في مستوى الفرد والجماعة والأمة، وأن تقول (نعم) عندما تشعر بأنها يمكن أن تبني لك قضية، أو تحل لك مشكلة، أو تحقّق لك حرية.

لذلك ـ أيها الأحبة ـ نحن قوم مشكلتنا أننا ندمن التاريخ ونستغرق فيه، والله سبحانه وتعالى يقول لنا إن التاريخ هو ملك الذين صنعوه، أما أنتم، فخذوا منه ما يبقى كدرس لكم، خذوا منه العبرة: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ}[2]. لا يكن التاريخ عندكم لهواً تلهون بأقاصيصه، ولا يكن التاريخ عصبية تفرض نفسها عليكم من أجل أن تتعب حاضركم أو تسقطه، أو تدمّر قضاياكم، {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ}، بمشاكلها كلّها، وانتصاراتها كلّها، وهزائمها كلّها، وتعقيداتها كلّها، وأحقادها كلّها، {وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ}[3]، لقد صنعوا تاريخهم، فلماذا تكفون عن صنع التاريخ؟ لماذا تعتبرون تاريخكم امتداداً لمفردات التاريخ؟ نحن لسنا معنيّين بأن يأتي التاريخ إلينا فيربك حاضرنا، نحن فقط مع الحقائق التي لا تقتصر على التاريخ، وإنما تبقى مع الماضي والحاضر والمستقبل.

عندما يجعل التاريخ القضية في جزئيات الزمن، فإنها تموت مع الزمن، ولكنه عندما يحمل الحقيقة، فإن الحقيقة لا تعطي الزمن معناها، بل تبقى ويهرب الزمن، ذلك لأن الحقيقة بنت الحياة. ولذلك، فنحن الآن نريد أن نتحدث عن مسؤوليتنا عن مستقبل عامر بالعدل: "يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً"[4].

مسؤوليّتنا في زمن الغيبة

ما هي مسؤوليتنا؟ هل نبقى ننتظر الزمن؟ وماذا في انتظار الزمن؟ هل هو أن تجلس في بيتك في حالة استرخاء؟ أو أن تدعو الناس، كما يفعل البعض، لأن يعيشوا الاسترخاء أمام الأحداث التي تهتز فيها الأرض تحت أقدامهم؟!

الظالمون يصنعون المأساة، والذين يعيشون المأساة يصرخون تحت ضرباتهم، وتبقى هناك فئة تعمل وتتحرك. ويبقى هذا التخلف الذي أدمنّاه، وهذا الذلّ الذي عشناه، وهذه العصبيات التي تفصل شعباً عن شعب، وأمّة عن أمّة، فتجعل العدل في طائفة هنا ينفصل عن العدل في طائفة أخرى، وتضع للعدل سياسة هنا تنفصل عن سياسة هناك، ثم نتحدّث عن خصوصيّات في هذا البلد تمنعه من أن ينفتح على المظلومين في البلد الآخر، حتى لو اتحدنا في معنى عروبتنا أو في معنى إسلامنا، لأنّ القضيّة هي أنّ على كلّ إنسان أن يقلّع شوكه بأظافره، ولكنّنا زيّفنا هذا المثل، فليس معنى ذلك أن لا تعمل على أن تقلع شوك الآخرين، بل معناه اعتمد على نفسك في قلع شوكك بأظافرك، ولا تنتظر مَن يأتي ليقلع لك الشوك، اجرح أظافرك وأنت تقلع الشوك، فستندمل الجراح، وتمشي في أرض لا شوك فيها، سواء كان الشوك سياسياً، أو اجتماعياً، أو اقتصادياً، أو غير ذلك.

علينا ـ أيها الأحبة ـ أن نفهم حقيقة مهمة، وهي أن قضية الاستضعاف واحدة في عالم المستضعفين، وأن قضية الاستكبار واحدة في عالم المستكبرين، فعندما يقوى موقع من مواقع المستضعفين، فإنه يعطي شيئاً من القوة للموقع الآخر، وعندما يقوى موقع استكباري، فإنه يعطي القوة لموقع آخر، فإذا لم يسلم في عالم المستضعفين بلد يخضع للاستكبار، فإنه لن يسلم البلد الآخر. وهناك بيت شعر يقدم الحكمة من ذلك:

                من حلقت لحية جارٍ لـه       فليسكب الماء على لحيته

لأنّ لحيته ستحلق بعد ذلك، وعندما تحلق حريتنا في بلد، وعندما يحلق اقتصادنا في موقع، وأمننا وسياستنا في موقع آخر، فعلينا أن نسكب الماء على لحية حريتنا واقتصادنا وأمننا وسياستنا، لأنّ حلاقة السياسة والاقتصاد والأمن سوف تأتي إلينا، آجلاً أو عاجلاً: "أُكِلْتُ يوم أكل الثور الأسود"، هذه هي المسألة.

الانقسام العربي والتخاذل

أيّها الأحبّة، إنّ مشكلتنا هي أن الاستكبار العالمي مزّق ذاتيتنا، فكنا عرباً وأصبحنا نمثل 22 دولة، وأصبحت كلّ دولة تمثل كياناً دخل في العقول وفي القلوب، وأصبحت مسألة أن تدافع عن الأسوار التي فرضوها على البلاد التي تعيش فيها لتفصلك عن بلد آخر، ديناً ندين به. ولهذا، أصبح الاستقلال الوطني يفترس الاستقلال القومي، بل ويفترس الاستقلال الإسلامي وما إلى ذلك.

وعندما انطلقت القضية الفلسطينية تحمَّسْنَا وانفعلنا. ولكن المشكلة هي أنّ الّذين وظّفهم الاستكبار العالميّ من أجل أن يدخلوا الحرب، ليعطوا الكيان الصّهيونيّ شرعيّة الاستقلال، سيطروا من موقع حرب، فكانت الحرب الأولى التي خاضها العرب تمثيلية، وقد أدمنّا كل التمثيليات، ومن المؤسف أنه حتى الحرب التي دخلها العرب في السبعينات وسجّلوا فيها الانتصار، جاءت بعدها التمثيلية العربية لتحوّل النصر إلى هزيمة، لأننا أدمنّا الهزيمة، إلى درجة أننا أصبحنا نخاف من النصر، لأننا نخاف من القوة، لأن القوة تتعب، ولأنها تكلّفنا الكثير، ونحن نعيش الاسترخاء.

ولذلك ترانا بعد خمسين سنة من كل هذه الهزائم والنكبات التي لطّفناها وسمّيناها نكسات، لا نريد أن تتعمّق الجراح في داخل قلوبنا، فأطلقنا عليها عنوان (نكسة)، حتى لا نشعر بأنها مشكلة، وقلنا إن السيف قد ينبو، وإن الجواد قد يكبو، واسترحنا لهذه الأمثال، لأن القضية الفلسطينية التي اختصرت تاريخ نصف قرن، بل ثلاثة أرباع القرن المنصرم، لأنها بدأت من الثلاثينات، أصبحت عبئاً علينا، وبدلاً من أن نعمل على تحرير فلسطين ـ والقمة العربية الأخيرة خير شاهد ـ أصبحنا وكلّ همّنا كيف نتحرر من فلسطين، وكيف نقول للفلسطينيين قلّعوا شوككم بأظافركم، لأنّ لكل بلد عربي أشواكه الأميركية التي لا يستطيع أن يقلعها ويقلع شوككم أيضاً!!

سوف نعطيكم مالاً، ونحن الذين نفرض عليكم طريقة صرف المال، سوف نعطيكم تأييدات فضفاضة، سوف نقول لإسرائيل إننا مع السلام، وإن كنا لا نملك أية خطة تجعل السلام سلامنا، لا سلام أميركا وإسرائيل. ماذا أعطت القمة العربية؟ إن الذين صالحوا الكيان الصهيوني قالوا إن استراتيجيتنا هي السلام، ونحن لا نريد أن نقاطع إسرائيل، لأن ذلك ضد الاستراتيجية، فلتقاطعها الدول التي أنشأت علاقات معها ـ خارج نطاق ما يسمى بمسألة السلام ـ من خلال المكاتب التجارية التي تأسست وراء الكواليس.

ووقفت القمة العربية على أقدام قمة شرم الشيخ، ولم تزد حرفاً واحداً، وكانت مسيرة الشهادة تتتابع، ففي كلّ يوم، يسقط أكثر من شهيد، وأكثر من جريح، وهناك أكثر من دمار، والطائرات والصواريخ تقصف، وكل آلة الدمار تتحرك بشراسة متزايدة، والعرب يستنكرون بصوت هادئ. وسكت الشارع العربي، لأنه أدى قسطه للعلى في التظاهرات التي انطلقت في أول الانتفاضة. وجاءت القمة الإسلامية التي أعلن وزراء خارجيتها مقدّماً، أن لا حرب مع الصهاينة، لأننا نريد السلام، ناسين أو متناسين أن الله سبحانه وتعالى يقول لنا، إنه عندما يكون السلام استسلاماً، فلا تأخذوا بدعوات السلام، ولا تقبلوا السلام.

لقد أعلنوا لإسرائيل أنها الأقوى وأنهم الأضعف، فهناك (56) دولة تسمي نفسها إسلامية، وفي مقدَّم قراراتها أنها لن تحارب، فيما تخطّط إسرائيل في كلّ استراتيجيتها للحرب، وتلطّف هذه الحرب باسم الدفاع، وباسم مواجهة العنف، وما إلى ذلك. إنهم يقولون: ستصدر قرارات المقاطعة الدبلوماسية والاقتصادية، ولقد تعوّدنا أن الذين خضعوا للسياسة الأميركية، لا يمكن أن يشربوا حليب السباع، لأن الأرانب لا تتقن لغة السباع، ولا تملك أظافرها.

أيها الأحبة، إن المسألة هي: هل ننفتح في إنسانيتنا على التحديات التي تواجهنا؟ هل نواجه حالة الاستلاب التي تريد أن تستلب منا كلّ حريتنا وكلّ إرادتنا؟ إنني أشعر بالخجل أمام الكلمات، لأننا تكلّمنا كثيراً كثيراً، وعملنا قليلاً قليلاً، ولم نستمع إلى قوله تعالى الذي يخاطب به المؤمنين الذين يقولون ما لا يفعلون: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}[5].

مشاريع العالـم المستكبـر

أيها الأحبة، إن للعالم المستكبر في كلّ مرحلة مشروعاً جديداً يشغلنا به، لننسى قضايانا الأساسية، ونعيش اللامبالاة أمام افتراس إنسانيتنا. فمنذ مدة، طُرح النظام العالمي الجديد، وصرخوا فينا: أيها العالم ـ والنداء موجّه للمستضعفين ـ هناك نظام عالمي جديد عليكم أن تستسلموا له، أو تتكاملوا معه، أو تنسجموا معه، وراح كل موقع يعطي كلمة تخفّف من بعض تأثيرات هذا النظام السلبية. وكانت المسألة أن النظام العالمي الجديد هو النظام الذي يتيح للدول السبع أو الثماني الكبار الأغنى في العالم، أن تنظّم أوضاعها في استلاب ثروة المستضعفين، لأنّ المسألة هي أن لا تختلف فيما بينها، بل أن تنظّم الحصص لهذه المائدة الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تمثل عالم المستضعفين.

وبعد أن استهلك شعار النظام العالمي الجديد، رفعوا شعار (العولمة)؛ هذه الرسالة الجديدة التي تُختصَر في الدعوة إلى أن يكون العالم عنواناً واحداً في السياسة، فالسياسات ـ في نظرهم ـ تتداخل، فليست هناك سياسات إقليمية وقومية ودينية وما إلى ذلك. وأيضاً، لا بدّ من العولمة الثقافية، لهذا، صادروا ثقافاتكم الذاتية كلّها، ولتكن هناك ثقافة العالم.

وهكذا، فإنّ القضيّة الأهمّ عندهم هي العولمة الاقتصاديّة، حيث قالوا: حطّموا الحدود حتى تستطيع الشركات الكبرى أن تتحرك في بلاد العالم المستضعف بدون حواجز، وما زلنا مشغولين بالعولمة، والكتّاب في كلّ يوم يكتبون كتباً ومقالات وتحليلات عن العولمة الثقافية والسياسية والاقتصادية.،ولكنّ المسألة، هي أن الجميع يعرفون أن العولمة كانت مشروعاً أميركياً في البداية، واستكبارياً في الدرجة الثانية، أما نحن الّذين نمثل مجال سيطرة العولمة على الواقع، فليس لنا أن نكون الشركاء، بل يريدون لنا أن نبقى الأتباع، وأن لا أن نصدر القرارات، فالقضيّة هي أنهم هم الذين يملكون القوّة، وعلينا أن نخضع لتلك القوّة.

أيها الأحبة، هل تؤمنون بالعدل؟ لا معنى لأن تؤمن بالإمام الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، من دون أن تؤمن بالعدل. وأن تؤمن بالعدل يعني أن ترفض كل ظلم، صغيراً كان أو كبيراً، محلياً كان أو عالمياً، أن ترفض ظلم نفسك للآخرين، وظلم نفسك لنفسك، وظلم نفسك للحياة، وظلم الآخرين للحياة، وأن تقطع وتقلع كلّ أثر للظلم في نفسك، وأن تستمع جيداً إلى قول الله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ}، لا تركنوا إليهم سياسياً لتنفّذوا سياستهم، ولا تركنوا إليهم اقتصادياً لتقوّوا اقتصادهم، ولا تركنوا إليهم أمنياً لتشاركوا في حماية أمنهم، فإنكم إذا فعلتم ذلك {فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}[6]، ذلك أن كبيرة الكبائر هي أن تركن إلى الذين ظلموا، وأن تعطيهم كلمتك في عملية تأييد، وأن تعطيهم موقفك، وأن تبرّر لهم ظلمهم: "من عذر ظالماً بظلمه، سلّط الله عليه من يظلمه، فإن دعا لم يستجب له ولم يأجره على ظلامته"[7].

أهميّة المقاطعـة الاقتصـاديّـة

أيها الأحبة، لقد انطلقت فلسطين التي هي رمز كلّ المنطقة، ورمز كلّ حركة العدل في مواجهة الظلم، وحركة المستضعفين في مواجهة المستكبرين في العالم كلّه، حيث إنها لم تعد قضيّة فلسطينيّة، بل أصبحت قضيّة عربيّة إسلاميّة، وربما تمتدّ لتكون إنسانيّة كما هي في عمقها الإنساني. لذلك، فإنّ علينا أن نعيش التوتر النفسي، وأن نعيش الاهتمام الفكري السياسي، وأن نتطلّع، ونحن في هذه الذّكرى، إلى كيف يمكن لنا أن نركّز العدل في هذه الانتفاضة ـ الثورة؟ كيف يمكن أن نهدم الظلم؟ وكيف يمكن أن نتحرك اقتصادياً إذا لم نستطع أن نتحرك عسكرياً؟ هناك طريقة واحدة فعّالة للتحرك، وهي أن نقاطع البضائع الإسرائيلية بالمطلق، إذ يحرم على كل إنسان مسلم ـ وهذه فتوى أصدرناها ـ أن يشتري بضاعة إسرائيلية، وأن نقاطع البضائع الأميركية بما يمكن من المقاطعة، فإذا كنا نحتاج بعض الحاجات، فإن هناك أكثر من موقع آخر يمكن أن يلبّي حاجاتنا، وعلينا أن نعيش هذه المسألة، حتى تشعر أميركا بأن العالم الإسلامي يقاطعها، وبذلك تشعر بالألم، لأن ما يؤلم أميركا هو الاقتصاد.

فنحن عندما نتابع المرشحين الرئاسيّين في أميركا، نجد أن حديثهم ينصبّ على تنمية الاقتصاد الأميركي، وهذا الاقتصاد تتحرك فيه الشركات، وعندما تقاطَع الشركات الأميركية في إنتاجها وتسويقها، فإنها سوف تصرخ، وبالتالي ستصرخ الإدارة الأميركية.

علينا أن نتعلّم كيف نحترم أنفسنا وقضايانا وإنساننا ومستقبلنا، لأنّ ما نفعله وما نعيشه من قضايا، هامشي وجزئي. ولقد قلت أكثر من مرة، إننا لو درسنا كل ما يدور فيه الجدل بين الناس، لرأينا أننا نناقش في جنس الملائكة، والفاتح قد دخل حتى غرف النوم العربية والإسلامية، ولسنا نتناقش في ما يصون إنسانيتنا، وكيف نستطيع أن نبني مستقبلنا!

إننا في الوقت الراهن، نحمل فؤوسنا لنهدم بها المستقبل، بل والأساس الذي يقوم عليه، ونبقى نردّد في التظاهرات: (الموت لأمريكا)، وكلّ منا يدخّن (المارلبورو)، ونهتف بالموت لها ونحن نشرب (البيبسي) و(الكولا) و(السفن آب)، وننسى أنّ ما نفعله يحيي أميركا، التي لا تهمها اللّعنات، فما يهمّها هو الدولارات، "ادفع دولاراً تقتل عربيّاً".

فنحن ندفع الدولارات لأميركا، والبنوك الأميركيّة مليئة بالثروات العربية، والاستهلاكيات العربية مليئة بالبضائع الأميركية، ونبقى نردّد: (الموت لأمريكا)، ونحن إنما نهتف بالموت لعروبتنا ولإسلامنا، لأنّ الموت ليس مجرّد كلمة، وإنما هو موقف، فهل نقف مع الموت أو نقف مع الحياة؟ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}[8].

*ندوة الشام الأسبوعيّة، فكر وثقافة

[1]  [الحج: 6].

[2]  [يوسف: 111].

[3]  [البقرة: 134].

[4]  بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 26، ص 263.

[5]  [الصف: 2، 3].

[6]  [هود: 113].

[7]  الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 334.

[8]  [الأنفال: 34].

إضافة تعليق جديد



Article | by Dr. Radut